أهم الأخبار
الحلقة الثاننية عشرة من رواية ( عين الحريم ) للاستاذ أحمد المغلوث

من لوحات كاتب الروايه عن الاسواق والناس في الماضي
الحلقة الثاننية عشرة من رواية ( عين الحريم ) للاستاذ أحمد المغلوث
أبن بطوطة
بعد مرور ساعات على عودته من السوق حاملا مقتنياته من المجلات.. يأتي وقت العشاء، وبعدها يجتمع مجلس خاله، كالعادة. وبعد سماع بعض برامج الإذاعات .. جاء وقت حديث أستاذ التاريخ عن أبن بطوطة إجابة عن سؤاله :
كانت مهمة رصد حديث الأستاذ عن أبن بطوطة تشكل له فتحا جديدا بالنسبة له لأنه يرصد ما يقوله أو يمليه الأستاذ وهو مرتاح .. يجلس متربعا و دفتره الذي هو عبارة عن دفتر سجلات تجارية كان حصل عليه من والده بخطوطه ذات اللون السماوي الباهت.. وقلمه السائل الباركر ..وراح يكتب ما يمليه عليه الأستاذ : أبن بطوطة هو شرف الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله اللواتي المعروف بابن بطوطة: ولد أبن بطوطة في طنجة بشمال افريقية عام 703هت – 1303م وتوفى عام 777هـ -1377م في مدينة فاس.. وقد عرف من كتابه الذائع الصيت الموسوم وقد كشف أبن بطوطة في كتابه هذا عن جوانب ممتازة عن الحيوان في بقاع الأرض المختلفة التي حط الرحال فيها ..وكتاب أبن بطوطة ما هو إلا مضمون الرحلات التي قام بها هذا العالم .. وخرج أبن بطوطة سائحا عام 725هـ وكان له من العمر اثنان وعشرون عاما فزار مصر ومكة المكرمة والعراق وفارس وعدن والهند وعمان والأناضول والاتحاد السوفيتي وبلوخستان والصين وسوريا وبعض جزر البحر الأبيض المتوسط والسودان والحبشة وعاد لمدينة فاس في المغرب بعد أن قضى في رحلاته هذه أربعا وعشرين سنة .. ألخ هكذا كتب صاحبنا إجابة على سؤاله عن أبن بطوطة .. وعيون وأذان الحضور في مجلس خاله تتابعه وهو يكتب .. فكانت تجربة جيدة بالنسبة لصبي صغير . نعم كانت هذه التجربة جديدة عليه بكل المعايير فهو ورغم أن لديه بعض الأخطاء الإملائية إلا أنه يعتبر أفضل من أقرانه الذين في سنه إضافة إلى أن هذه التجربة ساعدته كثيرا على تعود الكتابة والرصد وبصورة سريعة لا مجال فيها للتردد .. فضلا عن إنها ساعدته كثيرا في عمله الصحفي والإعلامي فيما بعد..
(الكنز الثمين)
اهتمام صاحبنا بالصحافة، والكتابة، بدأ مبكرا. ففي المدرسة الابتدائية حيث كان احد المحررين في صحيفة الحائط.. وبعدها بدأ يبعث ـ وعن طريق البريد ـ بكتاباته ومحاولاته الأولى والتي نشرت في الصحافة المحلية، بل وحتى الصحافة العربية.. ويعزو صاحبنا تحسن أسلوبه في الكتابة إلى القراءة الدائمة .. والاطلاع المستمر .. بل إنه لم يتردد يوما في أن يشتري مجلة أو كتاب بدلا من شراء قطعة حلوى.. يذكر انه وجد يوما كمية كبيرة من المجلات القديمة، المستعملة في سوق الخميس فلم يتردد في شرائها بكل ما كان يمتلك من نقود.. مما جعله يعود إلى مدينته سيرا على الأقدام حاملا كنزه الثمين على رأسه أختار أن يسلك أحد الطرق الزراعية بين الحقول والواصلة بين مدينته ومدينة الهفوف، حيث يقع سوق الخميس، لذلك سلك طريق عين مرجان الشهيرة، بدلا من الطريق العام حتى لا يراه احد فينظر إليه بسخرية وهو أبن ..( أسرة معروفة ) سار الصبي حاملا كنزه يحث الخطى بين أشجار النخيل الباسقة .. يشعر بثقل الكرتونة على رأٍسه ويده اليمنى ممسكة بطرفها وبين فترة وأخرى كانت يداه تتبادلان الإمساك بطرف الكرتون، فالسير في هذا الطريق المترب وفي هذا الجو الحار يضاعف من تعبه وإرهاقه.. فبدأ يحس بالعرق ينساب على صدره ويبلل فانيلته .. وأستمر صاحبنا يسير وهو يمني النفس بقراءة دسمة في أيامه القادمة.. خصوصا وان هناك بعض الأعداد من مجلات الأطفال المصرية والعراقية: صندوق الدنيا ومجلة الطلبة وسندباد مجلته العظيمة التي كان لها فضل كبير عليه فيما بعد وعلى اهتمامه بالرسم الساخر..!! ها قد اقترب من أسوار مدينته .. هاهي عين مرجان وطريقها الذي يعرفه الجميع .. بل انه يعرفه تماما؛ فبالقرب منها تقع مزرعة عمه المشهورة بفواكهها : الرمان والخوخ والتين والليمون وتمورنخيلها الممتازة الخلاص والشيشي والخنيزي والبرحي .. حمد الله أنه سلك هذا الطريق الذي تظلله تقريبا أشجار النخيل.. فالطقس في هذا الوقت كان حارا جدا وأصبحت أشعة الشمس لا تطاق .. وكان يقول لنفسه (توبه)، كررها مرة أخرى، فهي الأولى والأخيرة أن اقطع هذه المسافة بين المدينتين سيرا على الأقدام وفي هذا الوقت من الصيف، رغم أن الوقت كان يقارب الحادية عشرة صباحا والمسافة لا تتجاوز عدة كيلو مترات ..
كثيرون من الفلاحين قد بدأوا العودة إلى المدينة محملين بمنتجاتهم البسيطة الصيفية من خضار وفاكهة والتي وضعوها فوق الحمير داخل ( المراحل ) الخوصية والبعض الأخر وكان من المحظوظين وضعها في عربته ( القاري ) الخشبي وهو يقود ها باعتزاز ..!!في طريقهم إلى سوق المدينة ( القلعة ) والتي تقع بجوار سوق القيصرية .. بعضهم كانوا في مزارعهم منذ صلاة الفجر .. في سعيهم الحثيث نحو توفير لقمة العيش وأن يفلتوا بجلودهم وأولادهم وأسرهم من الجوع .. كانوا مجتهدين في هذه الحياة ..طبعت الشمس على وجوههم آثارها الواضحة فبدت كالحة .. متغضنة.. ومع هذا كانوا أ سعد حالا من غيرهم الذين ينتشرون في الأسواق بحثا عن عمل أو لقمة خبز .. أجسادهم الجائعة والتي أكلها ( القمل ) والأمراض الجلدية .. وقع الحياة في عيونهم التي لحست التراخوما بياضها وحولتها إلى عيون تبحث عن عافية والانتظار لساعات طويلة في المستشفى الوحيد الذي كان موجودا في ( قصر صالح إسلام ) بالهفوف حيث الدكتور الأمريكي هارولد ستورم الذي جاء من مستشفى الإرسالية الأمريكية بالبحرين .. هذا المستشفى والذي شهد تردد العديد من الأطباء الأمريكان أمثال الدكتور لويس ديم والدكتور هاريسون والدكتور جيرالد نايكرك والممرضة كورنيليا داليتبرج وكان سكنا أيضا للأطباء الأمريكان …
..أجسادهم وقاماتهم النحيلة تشعرك بتعب الحياة البائسة .. تتذكر عندما تشاهدهم يركضون خلف الناس في الأسواق حاملين على رؤوسهم أكياس الخيش الفارغة وهم يكادون يتوسلون هذا أو ذاك ليشملهم بكرمه ويحملون عنه ما سوف يشتريه من السوق .. كان بعضهم معروفا لدي أهل السوق ..فهذا الحمالي من أسرة ( بسيطة ) وذاك من أسرة فقيرة ..وجميعها أسر متواضعة وشريفة ..لكن بمرور الأيام بدأت وجوه جديدة تصل إلى السوق .. وجوه غير معروفة لأهل المدينة .. بعضهم جاء من أقصى القرى أو المدن الأخرى وعلى ألأخص مع انتشار السيارات والمواصلات بين المدن.. هؤلاء بدرت منهم تصرفات غير معتادة.. ولم تكن سائدة في ذلك الوقت .. فهذا الحمالي كان يغافل المتسوق والذي يحمل عنه مشترياته وعند عطفة إحدى
( السكك ) الداخلية ينطلق بما حمله من مشتريات هاربا كما تنطلق الرصاصة من البندقية .. لذلك ومع تكرار الحمالين الغرباء بات الواحد لا يسلم مشترياته إلا لحمالي يعرفه وسبق أن شاهده بل وتعامل معه..كان الناس في مدينته وفي الغالب يتسمون بالبساطة والآلفة واحترامهم لبعضهم لبعض رغم وجود طائفة شيعية كبيرة في مدينته.. بل أن بعض بيوت السنة في أحياء المدينة كانت تشترك مع بيوت الشيعة في ( جليب ) ماء واحد .. لذلك ربطت هذه الجيرة والمشاركة في البئر عائلات سنية وشيعية بعلاقات وصداقات قوية عبر التاريخ.. وبعدا اتسمت المنطقة بسمة ” التعايش ” ومنذ كانت الإحساء وأجواء الاحترام المتبادل بين السنة والشيعة مستمرة ..
ما حدث له ذاك الصباح كان أمرا غير اعتيادي فلم ينم تلك الليلة من فرط الآلام التي كان يشعر بها في ساقيه.. فلقد قطع مسافة غير بسيطة خصوصا وهو لم يتعود على السير مسافات طويلة جدا..حتى الرياضة في المدرسة لا تتجاوز كرة السلة والطائرة وقليلا جدا ما يشارك في لعب كرة القدم لأنها تكون في مواقع بعيدة عن المدرسة .. ومع هذا كان يحب السير بين أشجار النخيل أو في طرق الحقول في مزرعة خاله أو عمه لكنها مسافات محدودة …التعب والحمل الثقيل على رأسه والعرق يشكلون منظومة من الأثر المؤلم في جسده وقامته النحيلة .. لو باستطاعته الجلوس والاسترخاء على الحشائش الممتدة على مجرى مياه عين مرجان .. لو باستطاعته الدخول بستان عمه والتمدد داخل بركة الماء الباردة ليأخذ نفسا طويلا يزوده بطاقة مضاعفة تساعده على إكمال طريقه .. كما يفعل رجال الغوص عندما يأخذون نفسا طويلا قبل الغطس في الأعماق وهم في طريقهم لالتقاط المحار.. نعم أنه يعرف حارس البستان إنه أبو سعد احد صبية عمه وكثيراً ما شاهده في مجلسه .. سيواصل سيره أفضل لأنه لو توقف أو استراح فسوف يشعر بالكسل وربما استرخى ونام.. فهو متعب ألان والحل الوحيد أن يواصل سيره فلم يبق إلا القليل.. هذه هي المقبرة الجنوبية حيث ينام إلى الأبد أبناء مدينته الذين اختارهم الله إلى جواره . وسوف يكون يوما إلى جوارهم هكذا هي الحياة ولابد مما ليس منه بد ؟!.وعلى بعد مئات الأمتار تبدو البوابة الجنوبية لمدينته..عشرات من أبناء المدينة يخرجون من البوابة بعضهم يركب السيارات والبعض على عربات القاري وهناك من يركب الحمير وقليل من هو مثله يسير على قدميه ..أخيرا وصل إلى داخل مدينته .. شعر براحة كبيرة وهو يعبر أول ( سكة ) تؤدي إلى بيتهم .. لو باستطاعته أن يقفز أو يطير.. ياألله ما أروع الوصول إلى ألبيت .. حنان والدته ابتسامة شقيقته .. وكأس معدني به ماء مثلج بحاجة إليه هذه اللحظة.. ماء بارد في هذا الوقت وبعد هذا المشوار نعمة كبرى لا يتصور روعتها إلا من هو بحاجة ماسة إليها، كما حاله الآن .. عندما وضع كنزه من فوق رأسه شعر بأن شيئا مازال ممسكا برأٍسه.. هاجس غريب يثير قلقه .. فربما مازال رأسه يتصور أن الحمل الثقيل الذي حمله طوال هذه المسافة الطويلة هي وراء هذا الهاجس الغريب .. وقف أمام المرآة المزدانة برسوم طيور الطاووس الملونة .. وجهه شاحب والشمس تركت لونا خفيفا عليه .. ومع هذا كان سعيدا بكنزه المعرفي وما هي إلا ساعات ويعود لوجهه لونه الطبيعي .. إنه بحاجة الآن لآخذ حمام يغسل فيه تعبه وبعدها يرتاح .. عليه الآن تأدية صلاة الظهر في المسجد وبعدها يعود ليطالع كنزه الجديد ..في المسجد التقى أبن عمه.. سأله عن تغير لونه أخبره بما حدث.. عاتبه لماذا لم يركب سيارة أجرة ويحاسبه عند وصوله للبيت فتصرفه كان أخرقا ً.. بتلقائية قال له: أحببت استكشاف طريق عين مرجان ..لم يسبق أن قطعته سيرا على الأقدام .. وأضاف: صدقني رغم التعب والجهد الذي بذلته حاملا كنزي الثمين إلا أنني شاهدت مناظر طبيعية رائعة .. هل شاهدت البلابل المغردة وهي تشرب الماء من جداول المياه .. لا تتصور جمال أشعة الشمس وهي تتخلل سعف النخيل في لوحات متحركة وعلى إيقاع موسيقى زقزقة عصافير الأشجار .. أنت تعلم أن جمال الطبيعة في الإحساء .. جمال ساحر .. لقد أثار إعجاب وتقدير العديد من الرحالة والمستكشفين الأجانب أمثال ريتشاربرتون .. أو كارستن نايبور أو بوركهارت فلبي .. وشكسبير .. وفيدال .. وباركلي رونكيير الرحالة الدنماركي الشاب الذي وصل إلى مدينته على ظهر جمل قبل تسعة عقود تقربا وكتب يقول : (أمضيت وقتي أتنقل في أرجاء الإحساء وأتمتع بمناظرها البهيجة وخضرتها الغناء التي يعجز الوصف أن يلم بها خاصة ونحن الآن في فصل الربيع ..) نعم إنه كان عاجزا عن الوصف .. وماذا أقول .. هل أنا عاجز أيضا..؟ لكنني استمتعت بمشاهدة المناظر وأنا أسير على قدميّ..!! / يتبع غدا
أهم الأخبار
سمو محافظ الأحساء يستقبل قيادات التعليم ويكرّم الفائزين بالجوائز المحلية والدولية
المواطن اليوم /
استقبل صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن طلال بن بدر محافظ الأحساء ، بمقر المحافظة ، أمس ” الثلاثاء ” مدير عام الإدارة العامة للتعليم بالأحساء طواشي بن يوسف الكناني، وعددًا من القيادات التعليمية ومديري ومديرات المدارس، وذلك في إطار دعم مسيرة التعليم وتعزيز منجزاته
وأشاد سمو محافظ الأحساء بما يحظى به قطاع التعليم ومنسوبوه من رعاية واهتمام ودعم من القيادة الرشيدة –حفظها الله– مؤكدًا أن الاستثمار في الإنسان يُعد أحد أهم أولويات الدولة، وأن قطاع التعليم يمثل ركيزة أساسية في بناء الأجيال، انسجامًا مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 التي أولت التعليم اهتمامًا كبيرًا باعتباره محورًا رئيسًا في التنمية وبناء الإنسان، معربًا عن اعتزازه بما يحققه تعليم الأحساء من إنجازات نوعية على المستويين المحلي والدولي، مشيرًا إلى أن هذه المنجزات تعكس تكامل الجهود والعمل الجاد من قبل القيادات التعليمية والمعلمين والمعلمات، إضافة إلى ما وفرته الدولة من إمكانات أسهمت في تطوير البيئة التعليمية
وشاهد سموّه والحضور عرضًا مرئيًا بعنوان “إنجازات وتطلعات”، استعرض أبرز منجزات إدارة التعليم وخططها المستقبلية، حيث حصل تعليم الأحساء على المركز الأول بنسبة (100%) على مستوى إدارات التعليم، في انضباط الطلاب ورصد الغياب خلال شهر رمضان المبارك، وحقق طلاب المحافظة المركز الثالث في مجال العلوم، والمركز الرابع في مجال الرياضيات على مستوى المملكة ، وتم اكتشاف (2296) طالبًا وطالبة موهوبة اجتازوا مقياس موهبة، وحصل الطلاب على (15) ميدالية في مسابقة كاوست للرياضيات، كما تم ترشيح (6) طلاب في مسابقة إبداع 2026 لتمثيل المملكة في المحافل العالمية ، وحقق (135) طالبًا وطالبة ميداليات في مسابقة بيبراس المعلوماتية، وحصد (5) طلاب جوائز في معرض سيئول الدولي للاختراعات ، كما بدأ العمل لإنشاء صالتين رياضيتين بسعة طلابية بلغت (900) طالبة، وإنشاء (6) ملاعب عشبية بسعة طلابية بلغت (1524) طالبًا وطالبة. كما يجري تنفيذ (3) مشاريع إنشائية لمبانٍ مدرسية بسعة طلابية تبلغ (1800) طالب وطالبة، وتم توقيع عقود (7) مشاريع مدرسية جديدة، بسعة (4080) طالبًا وطالبة ، إضافة إلى ترميم (32) مبنى مدرسيًا ضمن أعمال الصيانة الطارئة، مع استمرار العمل على ترميم (18) مبنى مدرسيًا آخر
وقدم الكناني الشكر والتقدير للقيادة الرشيدة – حفظها الله – على ما توليه من دعم مستمر للتعليم، مؤكدًا أن اهتمام ومتابعة سمو محافظ الأحساء كان لهما أثر كبير في تحقيق إنجازات الإدارة خلال العام الدراسي الحالي 1447هـ
وفي ختام اللقاء كرّم سمو محافظ الأحساء المدارس والمعلمين والمعلمات الفائزين بجوائز محلية ودولية خلال العام الدراسي الحالي 1447هـ، تقديرًا لتميزهم وإسهاماتهم في رفع اسم المحافظة في المحافل التعليمية المختلفة .




أهم الأخبار
الصين بعد الذكاء الاصطناعي: من “مصنع العالم” إلى “عقل العالم”
المواطن اليوم
بقلم : وارف قميحة، رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث، رئيس الرابطة العربية الصينية للحوار والتواصل
لم يعد توصيف الصين كـ”مصنع العالم” كافيًا لفهم موقعها في الاقتصاد الدولي. فخلال العقدين الماضيين، تحوّل هذا الدور تدريجيًا من الاعتماد على العمالة منخفضة الكلفة إلى الاستثمار المكثف في التكنولوجيا، والبحث العلمي، والابتكار. واليوم، مع تسارع تطور الذكاء الاصطناعي، تدخل الصين مرحلة جديدة تسعى فيها إلى أن تكون ليس فقط مركزًا للإنتاج، بل مركزًا للمعرفة.
هذا التحول ليس طارئا، بل نتيجة سياسات طويلة الأمد. فقد وضعت بكين منذ سنوات أهدافا واضحة ضمن خططها التنموية، أبرزها مبادرة “صنع في الصين 2025” (Made in China 2025)، التي ركزت على نقل الاقتصاد من الصناعات التقليدية إلى الصناعات المتقدمة، مثل الروبوتات، وأشباه الموصلات، والتقنيات الرقمية. كما دعمت الحكومة هذا التوجه من خلال استثمارات كبيرة في البحث والتطوير، حيث تجاوز إنفاق الصين على البحث والتطوير، وفق أحدث البيانات (2025)، 3.9 تريليون يوان (نحو 570 مليار دولار)، ما يضعها ضمن أكبر الدول إنفاقًا عالميًا في هذا المجال.
في سياق الذكاء الاصطناعي تحديدًا، أطلقت الصين خطة وطنية عام 2017 تهدف إلى أن تصبح رائدة عالميًا في هذا القطاع بحلول 2030. ومنذ ذلك الحين، شهدت البلاد توسعًا كبيرًا في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، سواء في الصناعة، أو الخدمات، أو الإدارة الحكومية.
وهنا لا يتعلق الأمر بمجرد سباق تكنولوجي، بل بإعادة تعريف موقع الدولة في الاقتصاد العالمي—من منتج للتقنيات إلى صانع لمنطقها.
تلعب شركات التكنولوجيا الكبرى دورًا محوريًا في هذا التحول، مثل Baidu في تطوير نماذج اللغة والقيادة الذاتية، وAlibaba في الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي التجاري، وTencent في تطبيقات البيانات الضخمة والمنصات الرقمية. هذه الشركات لا تعمل بمعزل عن الدولة، بل ضمن بيئة تنسيق تجمع بين القطاعين العام والخاص، وهو نموذج يميز التجربة الصينية.
فالعلاقة هنا ليست فصلًا بين سوق ودولة، بل تكاملًا يهدف إلى تسريع التحول وضبط اتجاهه في آن واحد.
في الوقت نفسه، تستفيد الصين من حجم سوقها الداخلي، الذي يضم أكثر من مليار وأربعمئة مليون نسمة، ويوفر كميات هائلة من البيانات، تُعد عنصرًا أساسيًا في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي. كما أن انتشار البنية التحتية الرقمية، واعتماد التقنيات الحديثة في الحياة اليومية، من الدفع الإلكتروني إلى المدن الذكية، يسرّع من وتيرة هذا التحول.
وتشير بيانات (2025) إلى أن عدد مستخدمي تقنيات الذكاء الاصطناعي في الصين تجاوز 500 مليون مستخدم، ما يعكس انتقال هذه التكنولوجيا من المختبر إلى الاستخدام الواسع في المجتمع والاقتصاد.
وهذا ما يمنح الصين ميزة يصعب استنساخها: بيئة اختبار واسعة، وسريعة، ومتصلة مباشرة بالاستخدام الفعلي.
غير أن هذا المسار لا يخلو من تحديات. فالصين لا تزال تواجه قيودًا في بعض المجالات الحساسة، خاصة في صناعة أشباه الموصلات المتقدمة، حيث تعتمد جزئيًا على التكنولوجيا الخارجية. كما أن المنافسة مع الولايات المتحدة في مجال الذكاء الاصطناعي تزداد حدة، ما يضيف بعدًا جيوسياسيًا لهذا التحول التكنولوجي.
فالذكاء الاصطناعي لم يعد قطاعًا اقتصاديًا فقط، بل أصبح أداة سيادة، تعاد من خلالها صياغة موازين القوة.
إلى جانب ذلك، تطرح هذه التحولات تحديات داخلية تتعلق بالتنظيم، وحماية البيانات، وتأثير الأتمتة على سوق العمل. وقد بدأت الصين بالفعل في وضع أطر تنظيمية لهذه التقنيات، في محاولة لتحقيق توازن بين الابتكار والرقابة، وهو توازن دقيق سيحدد مسار هذا التحول في السنوات المقبلة.
في هذا السياق، يبرز طرح صيني أوسع يرتبط بمفاهيم مثل “التنمية عالية الجودة” و”الابتكار كقوة دافعة أولى”، وهي مفاهيم أساسية في خطاب الرئيس شي جين بينغ، الذي أكد مرارًا أن التكنولوجيا ستكون محور التنافس الدولي في المرحلة المقبلة.وهنا، لا تنافس الصين على التكنولوجيا بحد ذاتها، بل على من يملك تعريفها، ومن يضع معايير استخدامها عالميًا.
بناءً على ذلك، فإن انتقال الصين من “مصنع العالم” إلى ما يمكن وصفه بـ”عقل العالم” ليس مجرد تغيير في النشاط الاقتصادي، بل تحول في موقعها ضمن سلسلة القيمة العالمية. فبدل الاكتفاء بالإنتاج، تسعى الصين إلى التحكم في المعرفة، والتصميم، والتكنولوجيا-وهي العناصر التي تحدد القيمة الحقيقية في الاقتصاد الحديث.
ومع أن هذا التحول لا يزال قيد التشكّل، إلا أن مؤشراته واضحة. فالصين لم تعد فقط منصة للتصنيع، بل أصبحت لاعبًا رئيسيًا في صياغة مستقبل التكنولوجيا، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي.
أما عربيًا، فإن هذا التحول يضع المنطقة أمام مفترق واضح. فالدول العربية، التي ارتبطت بالصين لعقود كشريك تجاري ومصدر للاستثمار والبنية التحتية، تجد نفسها اليوم أمام شريك يتغير في جوهره. لم تعد العلاقة مع بكين محصورة في الموانئ والطرق والطاقة، بل باتت تمتد إلى التكنولوجيا، والبيانات، والاقتصاد الرقمي.
وهنا يكمن التحدي الحقيقي:هل ستبقى الدول العربية مستهلكًا للتكنولوجيا، أم ستتحول إلى شريك في إنتاجها؟
فالدخول في عصر الذكاء الاصطناعي لا يمر فقط عبر استيراد الحلول، بل عبر بناء القدرات المحلية، والاستثمار في التعليم، وتطوير بيئات تشريعية تسمح بالابتكار. والصين، بنموذجها الحالي، تقدم فرصة، لكنها في الوقت نفسه تفرض واقعًا جديدًا: من لا يواكب، يبقى خارج معادلة القيمة.
المسألة لم تعد قدرة الصين على اللحاق، بل قدرة الآخرين-ومنهم العالم العربي-على فهم هذا التحول والتعامل معه.
أهم الأخبار
طبيب عربي من العصور الوسطى صحح تشريح العين وغير مسار الطب في أوروبا
كشفت دراسة حديثة أن الطبيب والعالم العربي حنين بن إسحاق، الذي عاش في القرن التاسع، لعب دورا محوريا في تشكيل المعرفة الطبية الغربية، بفضل ترجماته لأعمال كبار الأطباء اليونانيين.
المواطن اليوم
ووفقا للورقة البحثية التي نشرتها مجلة Cogent Arts and Humanities، فقد قام الباحثون من جامعة الشارقة بتحليل وترجمة مخطوطة أصلية لحنين تحمل عنوان “في العين مائتان وسبع مسائل”، وهي رسالة مبتكرة في طب العيون صححت مفاهيم خاطئة سائدة في العصور الوسطى، وأثرت بشكل كبير في تطور الطب لاحقا.
وكتبت الرسالة على شكل أسئلة وأجوبة، وتكمل عشرة أعمال أخرى لحنين، وتعتبر مجتمعة علامة فارقة في تاريخ الطب الإسلامي والغربي. وقد وفرت هذه الأعمال تحليلا دقيقا لتشريح العين، بما في ذلك طبقاتها وأعصابها البصرية.
وأوضحت الباحثة دلال الزعبي، المعدة الرئيسية للدراسة، أن حنين بن إسحاق أثبت براعته العلمية في طب العيون، مقدما تفسيرات قائمة على الأدلة. وأكد أن الخلاف حول عدد طبقات العين كان لفظيا فقط، وليس حقيقيا، موضحا أن العين تتكون من سبع طبقات، واحدة فقط مسؤولة عن الرؤية والباقي يدعم وظيفتها. كما وصف بدقة عضلات العين ودور الدماغ في التحكم بها عبر العصب البصري.
ولم يقتصر تأثير حنين على الطب فقط، بل كان مترجما عبقريا. فقد أثرى اللغة العربية بمصطلحات طبية دقيقة ما تزال مستخدمة حتى اليوم، مثل “الشبكية” و”القرنية”. وبدلا من الترجمة الحرفية، ابتكر مصطلحات عربية تعبر عن المعنى بدقة، مثل شبكية العين لأن تركيبها يشبه شبكة الصياد، بالنظر إلى التشابك الكثيف للأوردة والشرايين المتداخلة فيها.
وكان حنين، وهو مسيحي من أهل الحيرة في العراق، يلقب بـ “شيخ المترجمين”. عمل في بيت الحكمة في بغداد، وساهم في ترجمة المخطوطات اليونانية والسريانية إلى العربية، ما حافظ على المعرفة اليونانية القديمة وسهل نقلها لاحقا إلى أوروبا.
ويعد حنين جسرا فكريا بين الطب اليوناني القديم والطب الأوروبي في العصور الوسطى. فقد اعتمدت الجامعات الأوروبية لاحقا على الترجمات اللاتينية التي نقلت عن ترجماته العربية. ويذكر على وجه الخصوص كتابه “المسائل في الطب” الذي ترجم إلى اللاتينية تحت عنوان Isagoge Johannitius وظل لقرون مرجعا تمهيديا لتعليم الطب في أوروبا.
ويصف الأستاذ مأمون صالح عبد الكريم، أستاذ الآثار والتاريخ في جامعة الشارقة، المشارك في الدراسة، حنين بأنه شخصية ذات أهمية دائمة، قائلا: “أثر حنين بن إسحاق بشكل كبير في تطور الطب الغربي. لعب دورا حاسما في ترجمة النصوص الطبية اليونانية إلى العربية، خاصة تلك الخاصة بغالينوس وأبقراط، حيث صقلها وشرحها بدقة علمية ملحوظة. لم يكن حنين مجرد ناقل للطب اليوناني، بل كان واحدا من أهم الجسور الفكرية التي ربطت المعرفة الكلاسيكية بالطب الأوروبي في العصور الوسطى”.
ويضيف الأستاذ مسعود إدريس، أستاذ الحضارة الإسلامية في جامعة الشارقة: “ترجمات حنين بن إسحاق وكتاباته الأصلية مارست تأثيرا ليس فقط داخل العالم الإسلامي ولكن أيضا في أوروبا في العصور الوسطى”.
وأشار الأستاذ إدريس إلى أن مؤرخي الطب يولون اهتماما خاصا لكتاب حنين “المسائل في الطب” (للمتعلمين)، والذي ترجم إلى اللاتينية تحت عنوان Isagoge Johannitius. وقال: “خدم هذا النص لعدة قرون كدليل طبي تمهيدي في الجامعات الأوروبية. إن تداول أعمال حنين على نطاق واسع في العالم اللاتيني يوضح الدور المهم الذي لعبته المدرسة الطبية الإسلامية في تشكيل أسس التعليم الطبي في أوروبا”.
وخلص الأستاذ عبد الكريم إلى أن إرث حنين بن إسحاق يذكرنا بأن التقدم العلمي لم يولد من فراغ، بل نشأ من الحوار بين الحضارات. فتاريخ الطب “ليس مجرد قصة حضارة واحدة، بل هو حكاية معرفة تنتقل عبر الثقافات لتشكل العلوم العالمية.
وتتناول الدراسة إسهامات حنين في تطوير حركة الترجمة في العصر العباسي الأول، مسلطة الضوء على كيف كان رائدا لنموذج الترجمة الذي يفضي نقل المعنى الكامل للنص الأصلي بدلا من الالتزام بالممارسة السائدة للترجمة الحرفية كلمة بكلمة. وتعد هذه الدراسة هي الأولى التي تنقل مخطوطة “في العين مائتان وسبع مسائل” إلى اللغة الإنجليزية، لتفتح نافذة جديدة على عظمة هذا العالم الذي جمع بين الإتقان الطبي والعبقرية اللغوية.
عن / شبكة ار تي العربيه RT
-
أخبار11 شهر agoحج / رفع كسوة الكعبة.. تقليد سنوي يسبق الاستعداد لموسم الحج
-
ثقافة وفنون12 شهر agoالقهوة السعودية”.. أحدث إصدارات مكتبة الملك عبدالعزيز العامة
-
الآراء والصور11 شهر ago -
أخبار المجتمع11 شهر agoصحي / نجاح عملية فصل التوأم الملتصق الإريتري “أسماء وسمية” بعد عملية جراحية دقيقة استغرقت 15 ساعة ونصفًا
-
أخبار11 شهر agoحج / انطلاق أعمال ندوة الحج الكبرى في جدة تحت عنوان “الاستطاعة في الحج والمستجدات المعاصرة”
-
آراء11 شهر agoحج / مشعر منى.. شاهد على سُنن الأنبياء وذاكرة الحج عبر العصور
-
اقتصاد8 أشهر agoسياحة وترفيه / “جزيرة بياضة”.. وجهة ساحلية هادئة على خارطة السياحة الساحلية
-
أخبار11 شهر agoمن مكة المكرمة.. وزير الإعلام يُدشّن منصة الصور السعودية للعالم
