بواسطة Legacy Author #321 سبتمبر 2015 - 18:46210 مشاهدة2 دقيقة قراءة
خلف الحربي
زرت بغداد حين كانت واحدة من أجمل المدن العربية: نهر ونخيل وضحكات لا تنقطع، كانت خفيفة الروح رغم صور صدام حسين العملاقة التي تملأ كل الشوارع، وآمنة جدا رغم أنها كانت خرجت للتو من حرب طاحنة !لم يكن أحد داخل بغداد أو خارجها يتخيل أنه يمكن أن يحكم المدينة من هو أسوأ من صدام حسين، وهذا دليل جديد على أن الخيال البشري محدود مهما امتلك من الخبرات، فقد جاء من هو أسوأ من صدام بكثير وهو الـ(لا أحد)، حيث تقاسم المدينة مجموعة من اللصوص الصغار والأذناب المستأجرة من قوى خارجية، فنهبت المدينة العظيمة وهجر أهلها منها وأعيد تشكيل هويتها العربية الخالدة وفق مسطرة طائفية إيرانية الهوى وعاشت انفلاتا أمنيا جعلت منها محطة دائمة للتفجيرات والأعمال الإرهابية الكبرى.اليوم تواجه بغداد مشكلة ما كانت لتخطر على بال أحد، حيث انتشر وباء الكوليرا بسبب نقص المياه النظيفة، تخيلوا المدينة التي اختار لها أبو جعفر المنصور مكانا خاصا بين فرعي دجلة تعاني من نقص المياه وتعاني من وباء لا يضرب إلا أكثر الدول فقرا وتخلفا، هذا هو ما يمكن أن ينتج عن حكم المليشيات الطائفية، هذه المليشيات الغارقة في الجهل حتى أذنيها والتي لا تملك خبرة سوى حشد الأتباع في المناسبات الدينية وجدت نفسها فجأة تحكم بلدا كبيرا غنيا بحجم العراق فلم تجد مشروعا سياسيا أسهل من التنفيس عن أحقادها الطائفية ولم تعثر على طريقة للتعامل مع خزائن العراق التي امتلأت بسبب ارتفاع عائدات البترول خلال العقد الماضي سوى نهبها حتى أصبح رؤساء هذه الأحزاب والمليشيات الطائفية من أغنى أغنياء العالم وتركت الشعب المقهور والمسروق يبحث في أنحاء المدينة الكبيرة عن جرعة ماء نظيفة !.الحب في زمن الكوليرا صعب جدا ولا يمكن أن يتحقق إلا في روايات ماركيز، لذلك فإن حب بغداد الذي مزق قلوب الشعراء قبل أن يستولي على قلوب أهلها لم يعد دافعا للقاء في هذه المدينة التي وجدت نفسها بين مطرقة الإرهاب وسندان الكوليرا، وإذا كان من يملك المال والحظ قد هرب من بغداد منذ زمن طويل فإن من بقوا اليوم يحسدون من هربوا ويكرهون الساعة التي جاءت بهذه المجموعات الهمجية التي جاءت لتحكم بغداد وهي تنظر بعين إلى أرصدة زعمائها في أوروبا بينما تركز عينها اليمنى على التقاط إشارات قاسم سليماني.لعل في صورة بغداد الأخيرة المحزنة رسالة ما لمن يظنون أن الأحزاب الطائفية الموالية لإيران يمكن أن تقدم حلولا وطنية.. فمشروعها في بيروت انتهى بتراكم الزبالة في الشوارع ومشروعها في بغداد انتهى بالكواليرا!. / عن عكاظ
تعليقات القراء
لا توجد تعليقات معتمدة بعد. شاركنا رأيك.
أضف تعليقًا