Connect with us

أهم الأخبار

المعركة ضد السعودية: لوازم ‘جنيف’

Published

on

kawass

أ- محمد غواص

إيران تحتاج إلى التوتر مع السعودية لشدّ عصبٍ حول اتفاق مع العالم ينهي أي طموح للحصول على السلاح النووي.

قصفت إيران بقذائف الهاون، عبر أذرعها العراقية، مركزاً سعودياً على الحدود العراقية. وقصفت إيران بتصريحاتٍ نارية، عبر أذرعها اللبنانية، الرياض متهمة إياها بالوقوف وراء عملية التفجير المزدوجة التي قام بها انتحاريان ضد السفارة الإيرانية في بيروت. في ذلك التصعيد ما يشي بالحاجة إلى سجالٍ بالواسطة بين العاصمتين على هامش الورشة الكبرى التي قادت إلى الاتفاق الدولي مع إيران في جنيف.

أجمعت كل المصادر الرسمية الإيرانية، بما فيها سفيرُ طهران في بيروت، على اتهام إسرائيل بالوقوف وراء الهجوم. ومع ذلك، انطلقت تصريحاتُ مسؤولي حزب الله (ووزير إعلام دمشق) تتهم التكفيريين «الذين تقف الرياض وراءهم»، على نحو يتسقُ مع تصريحات سابقة هاجم فيها أمين عام الحزب السعودية في مسائل التكفير والصراع السوري والأزمة الحكومية اللبنانية.

إذا كانت الجهات الإيرانية تملكُ معطيات عن تورط السعودية، فلماذا تجنبت توجيه اتهامٍ معلن في أمر يُعتبر، على مستوى الدول، بمثابة إعلان حرب؟ وإذا كانت إيران مقتنعةٌ بأن إسرائيل وراء العمل، فلماذا سمحت لأذرعها بالإيحاء بغير ذلك، باتجاه الرياض؟ فهل من حاجة إيرانية، هذه الأيام لإثارة غبار إقليمي كثيف يحجبُ روائح الاتفاق «التاريخي» الموقع في جنيف؟

ظهرت التحليلات القريبة من حزب الله مرتبكةٌ في تفسير حدث السفارة الإيرانية المأساوي. ربطت رواية منطقية العملية بسياسة إيران ومواقفها (بما يقيم رابطاً منهجياً مع السلوك الإيراني في سوريا)، ووضعت رواية ركيكة الانفجارين في خانات متحررة من أي سياق، بما في ذلك الاندفاع نحو تجاهل جغرافيا موقع الانفجارين (أي على باب السفارة الإيرانية)، لحصر الجريمة بإرهاب روتيني يستهدف مدنيين أبرياء. في تأمل ذلك ما يوحي أن الحدث الإيراني في جنيف ما زال عصيّ الفهم والهضم على الدوائر القريبة من طهران في لبنان. وفي تأمل ذلك ما يوحي أن تخبطاً طال، وسيطال، تفسير وتبرير وتبني ذلك الودّ الطارئ بين حكومة الجمهورية الإسلامية و»الشيطان الأكبر وقوى الاستكبار» الرديفة (خلفية الاتفاق مفاوضات سرية جرت هذا العام في مسقط بين طهران وواشنطن).

في فوضى الاتهامات المُكالة يميناً ويساراً ضد من أرسل الانتحاريين إلى السفارة الإيرانية، صُوّبت الأصابعُ نحو التكفيريين والقاعدة و»البيئة الحاضنة» و»الوهابية السعودية» وإسرائيل.. إلخ، ولم تلامس الاتهامات المستكبرين الكبار بقيادة واشنطن المتجمعين حول وزير الخارجية الإيراني في جنيف. الجميع التزم بأصول اللعبة المترجّلة حديثاً (ناهيك عما أثارته الـ»وورلد تربيون» الأميركية عن مفاوضات سرية تجري حالياً بين حزب الله وواشنطن).

يحتاجُ اتهام السعودية إلى جوقةٍ من المحللين وتقليعةٍ جديدة من التحليل. تبرّعَ المتبرعون في تقديم الحدث بصفته تطوراً لافتاً في اختيار الهدف (وهذا صحيح) وتطوراً في وسائل الهجوم، بحيث يُصار إلى التلميح بتورطٍ على مستوى دولة. وفي أهمية الهدف ما يغشي الأبصار عن أن وسيلة العملية الانتحارية هي أقل تقنية وأكثر بساطة من الانفجارات التي طالت مؤخراً منطقة «الضاحية» ومدينة طرابلس. فتجهيز السيارات المفخخة، وسوقها وركنها في أهدافها، يستدعي جهوداً تقنية وبشرية ومخابراتية واتصالاتية، ما يفوق بكثير ما تحتاجه العمليات الانتحارية.

قام تنظيم القاعدة بعمليات انتحارية استهدفت ما استهدفت في العالم، بما فيها داخل السعودية، دون أن يتم اتهام دول بالوقوف وراءها. ثم أنه إذا كان المطلوب ضرب السفارة الإيرانية من قِبل دولة ما، فكان من الأسهل، حتى بالنسبة لإسرائيل، اختيار أي سفارة في العالم. لكن اختيار بيروت، ومن قبل انتحاريين، تمّ التعرف عليهما وعلى تاريخهما وحوافزهما، يضع كل العملية في سياق الصراع السوري دون غيره. ويجعل من هوية المنفذيّن والمخططين ضمن سياق منطقي محلي لا يتعداه إلى مرتبة التناقض السعودي الإيراني.

ردت السعودية، عبر إعلامها نفياً، مسهبةً في عرض آلام المملكة من حمى الإرهاب القاعدي، مكثرةً في عرض جهودها وإسهاماتها في محاربة تنظيم بن لادن وأخواته. تعلم إيران- نفسها- أن الرياض لا تُقدم بسبب حساباتها الداخلية (نفوذ إيران داخل الشيعة في المملكة مثلاً)، وبسبب حساباتها الدولية (لاسيما في موسم التفاوض في جنيف)، على التورط في صدام سيعتبر مباشراً، وهي التي تتبادل مع طهران اللكمات غير المباشرة منذ عقود (تشكو المعارضة الإيرانية في الأهواز وبلوشستان مثلا بإعراض وتحفظ الرياض عن دعمها).

المقلق في أمر تصعيد السجال ضد السعودية وتيار المستقبل وقوى 14 آذار في لبنان، أن أمر ذلك أسهل في تحشيد «جمهور المقاومة» حول خيارات حزب الله وإيران، من التصعيد ضد إسرائيل والغرب وقوى الاستكبار. بمعنى أدق، يحتاج حزب الله لتسعير الفتنة السنية الشعية لتبرير الإمعان في التورط في سوريا وتبرير لازمة عودة نعوش مقاتلين شيعة يسقطون في المعركة «ضد التكفيريين».

يكرر السيد حسن نصر الله مؤخراً التبشير بالنصر في سوريا، منذرا بأن رهانات الخصوم في لبنان آيلة إلى عدم. على أن سياقات النصر الأكيد، القريب، لا تفسّر غضب أمين عام الحزب على «الفريق الآخر» في لبنان، والمفترض أنه سينقرض بحكم الهزيمة القادمة في سوريا، كما لا تفسّر إلتهاءه بتقديم عروض «آخر فرصة» لهذا الفريق في تشكيل الحكومة العتيدة، طالما أن النصر القادم لن يلحظ لهم لا مكاناً ولا مكانة.

يحتاجُ حزب الله إلى مزيد من التوتر المذهبي لتمرير مغامرته السورية التي تطرح ألف سؤال وسؤال داخل الطائفة الشيعية. وتحتاجُ إيران إلى التوتر مع السعودية لشدّ عصبٍ حول اتفاق مع العالم ينهي أي طموح للحصول على السلاح النووي. وإذا ما كانت إيران جاهزةٌ بكافة مؤسساتها، ابتداء بالمرشد، مروراً بالحرس الثوري، انتهاء بمؤسسات الدولة التشريعية والتنفيذية، للتقيّد ببنود الاتفاق (والتحول الجذري لاحقا بما يتسق مع فلسفته)، فإن حزب الله، عقيدة وجسما وتركيبة، سيجد صعوبة في التأقلم مع عصر جديد يتطلب مرونة ليست من صفات كينونته.

هو نصرٌ يعلنه الغرب في جنيف وتصفق له إدارة أوباما. هو نصرٌ (نموذجي حسب حزب الله) تعلنه طهران بفضل «صمود الشعب الإيراني». هو «نصرٌ على السعودية» كما يراه واحد (سامي العسكري) من أركان حزب نوري المالكي في العراق. لكل نصره وفق قياسات على الطلب.

سنراقب من الآن فصاعدا سياق البراغماتية الإيرانية وبراعتها في ركوب أمواج جنيف. إحدى تلك الأمواج ستعيد الحرارة الضرورية (وفق روح الاتفاق وتداعياته الآلية) إلى العلاقة بين طهران والرياض (جدير قراءة مقال جواد ظريف وزير خارجية طهران بعنوان «جيراننا أولويتنا»). وحين سيتحادث الرئيس حسن روحاني والملك عبد الله حول مستقبل الدولتين، سيتأمّل من كال الاتهامات للرياض في بيروت المشهد مصعوقا من مآلات السياسة وعجائبها.عن العرب

_____________

* صحافي وكاتب سياسي لبناني

Continue Reading
Click to comment

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أهم الأخبار

سمو محافظ الأحساء يستقبل قيادات التعليم ويكرّم الفائزين بالجوائز المحلية والدولية

Published

on

المواطن اليوم /

استقبل صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن طلال بن بدر محافظ الأحساء ، بمقر المحافظة ، أمس ” الثلاثاء ” مدير عام الإدارة العامة للتعليم بالأحساء طواشي بن يوسف الكناني، وعددًا من القيادات التعليمية ومديري ومديرات المدارس، وذلك في إطار دعم مسيرة التعليم وتعزيز منجزاته

وأشاد سمو محافظ الأحساء بما يحظى به قطاع التعليم ومنسوبوه من رعاية واهتمام ودعم من القيادة الرشيدة –حفظها الله– مؤكدًا أن الاستثمار في الإنسان يُعد أحد أهم أولويات الدولة، وأن قطاع التعليم يمثل ركيزة أساسية في بناء الأجيال، انسجامًا مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 التي أولت التعليم اهتمامًا كبيرًا باعتباره محورًا رئيسًا في التنمية وبناء الإنسان، معربًا عن اعتزازه بما يحققه تعليم الأحساء من إنجازات نوعية على المستويين المحلي والدولي، مشيرًا إلى أن هذه المنجزات تعكس تكامل الجهود والعمل الجاد من قبل القيادات التعليمية والمعلمين والمعلمات، إضافة إلى ما وفرته الدولة من إمكانات أسهمت في تطوير البيئة التعليمية

وشاهد سموّه والحضور عرضًا مرئيًا بعنوان “إنجازات وتطلعات”، استعرض أبرز منجزات إدارة التعليم وخططها المستقبلية، حيث حصل تعليم الأحساء على المركز الأول بنسبة (100%) على مستوى إدارات التعليم، في انضباط الطلاب ورصد الغياب خلال شهر رمضان المبارك، وحقق طلاب المحافظة المركز الثالث في مجال العلوم، والمركز الرابع في مجال الرياضيات على مستوى المملكة ، وتم اكتشاف (2296) طالبًا وطالبة موهوبة اجتازوا مقياس موهبة، وحصل الطلاب على (15) ميدالية في مسابقة كاوست للرياضيات، كما تم ترشيح (6) طلاب في مسابقة إبداع 2026 لتمثيل المملكة في المحافل العالمية ، وحقق (135) طالبًا وطالبة ميداليات في مسابقة بيبراس المعلوماتية، وحصد (5) طلاب جوائز في معرض سيئول الدولي للاختراعات ، كما بدأ العمل لإنشاء صالتين رياضيتين بسعة طلابية بلغت (900) طالبة، وإنشاء (6) ملاعب عشبية بسعة طلابية بلغت (1524) طالبًا وطالبة. كما يجري تنفيذ (3) مشاريع إنشائية لمبانٍ مدرسية بسعة طلابية تبلغ (1800) طالب وطالبة، وتم توقيع عقود (7) مشاريع مدرسية جديدة، بسعة (4080) طالبًا وطالبة ، إضافة إلى ترميم (32) مبنى مدرسيًا ضمن أعمال الصيانة الطارئة، مع استمرار العمل على ترميم (18) مبنى مدرسيًا آخر

وقدم الكناني الشكر والتقدير للقيادة الرشيدة – حفظها الله – على ما توليه من دعم مستمر للتعليم، مؤكدًا أن اهتمام ومتابعة سمو محافظ الأحساء كان لهما أثر كبير في تحقيق إنجازات الإدارة خلال العام الدراسي الحالي 1447هـ

وفي ختام اللقاء كرّم سمو محافظ الأحساء المدارس والمعلمين والمعلمات الفائزين بجوائز محلية ودولية خلال العام الدراسي الحالي 1447هـ، تقديرًا لتميزهم وإسهاماتهم في رفع اسم المحافظة في المحافل التعليمية المختلفة .

Continue Reading

أهم الأخبار

الصين بعد الذكاء الاصطناعي: من “مصنع العالم” إلى “عقل العالم”

Published

on

المواطن اليوم

بقلم : وارف قميحة، رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث، رئيس الرابطة العربية الصينية للحوار والتواصل

لم يعد توصيف الصين كـ”مصنع العالم” كافيًا لفهم موقعها في الاقتصاد الدولي. فخلال العقدين الماضيين، تحوّل هذا الدور تدريجيًا من الاعتماد على العمالة منخفضة الكلفة إلى الاستثمار المكثف في التكنولوجيا، والبحث العلمي، والابتكار. واليوم، مع تسارع تطور الذكاء الاصطناعي، تدخل الصين مرحلة جديدة تسعى فيها إلى أن تكون ليس فقط مركزًا للإنتاج، بل مركزًا للمعرفة.

هذا التحول ليس طارئا، بل نتيجة سياسات طويلة الأمد. فقد وضعت بكين منذ سنوات أهدافا واضحة ضمن خططها التنموية، أبرزها مبادرة “صنع في الصين 2025” (Made in China 2025)، التي ركزت على نقل الاقتصاد من الصناعات التقليدية إلى الصناعات المتقدمة، مثل الروبوتات، وأشباه الموصلات، والتقنيات الرقمية. كما دعمت الحكومة هذا التوجه من خلال استثمارات كبيرة في البحث والتطوير، حيث تجاوز إنفاق الصين على البحث والتطوير، وفق أحدث البيانات (2025)، 3.9 تريليون يوان (نحو 570 مليار دولار)، ما يضعها ضمن أكبر الدول إنفاقًا عالميًا في هذا المجال.

في سياق الذكاء الاصطناعي تحديدًا، أطلقت الصين خطة وطنية عام 2017 تهدف إلى أن تصبح رائدة عالميًا في هذا القطاع بحلول 2030. ومنذ ذلك الحين، شهدت البلاد توسعًا كبيرًا في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، سواء في الصناعة، أو الخدمات، أو الإدارة الحكومية.

وهنا لا يتعلق الأمر بمجرد سباق تكنولوجي، بل بإعادة تعريف موقع الدولة في الاقتصاد العالمي—من منتج للتقنيات إلى صانع لمنطقها.

تلعب شركات التكنولوجيا الكبرى دورًا محوريًا في هذا التحول، مثل Baidu في تطوير نماذج اللغة والقيادة الذاتية، وAlibaba في الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي التجاري، وTencent في تطبيقات البيانات الضخمة والمنصات الرقمية. هذه الشركات لا تعمل بمعزل عن الدولة، بل ضمن بيئة تنسيق تجمع بين القطاعين العام والخاص، وهو نموذج يميز التجربة الصينية.

فالعلاقة هنا ليست فصلًا بين سوق ودولة، بل تكاملًا يهدف إلى تسريع التحول وضبط اتجاهه في آن واحد.

في الوقت نفسه، تستفيد الصين من حجم سوقها الداخلي، الذي يضم أكثر من مليار وأربعمئة مليون نسمة، ويوفر كميات هائلة من البيانات، تُعد عنصرًا أساسيًا في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي. كما أن انتشار البنية التحتية الرقمية، واعتماد التقنيات الحديثة في الحياة اليومية، من الدفع الإلكتروني إلى المدن الذكية، يسرّع من وتيرة هذا التحول.

وتشير بيانات (2025) إلى أن عدد مستخدمي تقنيات الذكاء الاصطناعي في الصين تجاوز 500 مليون مستخدم، ما يعكس انتقال هذه التكنولوجيا من المختبر إلى الاستخدام الواسع في المجتمع والاقتصاد.

وهذا ما يمنح الصين ميزة يصعب استنساخها: بيئة اختبار واسعة، وسريعة، ومتصلة مباشرة بالاستخدام الفعلي.

غير أن هذا المسار لا يخلو من تحديات. فالصين لا تزال تواجه قيودًا في بعض المجالات الحساسة، خاصة في صناعة أشباه الموصلات المتقدمة، حيث تعتمد جزئيًا على التكنولوجيا الخارجية. كما أن المنافسة مع الولايات المتحدة في مجال الذكاء الاصطناعي تزداد حدة، ما يضيف بعدًا جيوسياسيًا لهذا التحول التكنولوجي.

فالذكاء الاصطناعي لم يعد قطاعًا اقتصاديًا فقط، بل أصبح أداة سيادة، تعاد من خلالها صياغة موازين القوة.

إلى جانب ذلك، تطرح هذه التحولات تحديات داخلية تتعلق بالتنظيم، وحماية البيانات، وتأثير الأتمتة على سوق العمل. وقد بدأت الصين بالفعل في وضع أطر تنظيمية لهذه التقنيات، في محاولة لتحقيق توازن بين الابتكار والرقابة، وهو توازن دقيق سيحدد مسار هذا التحول في السنوات المقبلة.

في هذا السياق، يبرز طرح صيني أوسع يرتبط بمفاهيم مثل “التنمية عالية الجودة” و”الابتكار كقوة دافعة أولى”، وهي مفاهيم أساسية في خطاب الرئيس شي جين بينغ، الذي أكد مرارًا أن التكنولوجيا ستكون محور التنافس الدولي في المرحلة المقبلة.وهنا، لا تنافس الصين على التكنولوجيا بحد ذاتها، بل على من يملك تعريفها، ومن يضع معايير استخدامها عالميًا.

بناءً على ذلك، فإن انتقال الصين من “مصنع العالم” إلى ما يمكن وصفه بـ”عقل العالم” ليس مجرد تغيير في النشاط الاقتصادي، بل تحول في موقعها ضمن سلسلة القيمة العالمية. فبدل الاكتفاء بالإنتاج، تسعى الصين إلى التحكم في المعرفة، والتصميم، والتكنولوجيا-وهي العناصر التي تحدد القيمة الحقيقية في الاقتصاد الحديث.

ومع أن هذا التحول لا يزال قيد التشكّل، إلا أن مؤشراته واضحة. فالصين لم تعد فقط منصة للتصنيع، بل أصبحت لاعبًا رئيسيًا في صياغة مستقبل التكنولوجيا، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي.

أما عربيًا، فإن هذا التحول يضع المنطقة أمام مفترق واضح. فالدول العربية، التي ارتبطت بالصين لعقود كشريك تجاري ومصدر للاستثمار والبنية التحتية، تجد نفسها اليوم أمام شريك يتغير في جوهره. لم تعد العلاقة مع بكين محصورة في الموانئ والطرق والطاقة، بل باتت تمتد إلى التكنولوجيا، والبيانات، والاقتصاد الرقمي.

وهنا يكمن التحدي الحقيقي:هل ستبقى الدول العربية مستهلكًا للتكنولوجيا، أم ستتحول إلى شريك في إنتاجها؟

فالدخول في عصر الذكاء الاصطناعي لا يمر فقط عبر استيراد الحلول، بل عبر بناء القدرات المحلية، والاستثمار في التعليم، وتطوير بيئات تشريعية تسمح بالابتكار. والصين، بنموذجها الحالي، تقدم فرصة، لكنها في الوقت نفسه تفرض واقعًا جديدًا: من لا يواكب، يبقى خارج معادلة القيمة.

المسألة لم تعد قدرة الصين على اللحاق، بل قدرة الآخرين-ومنهم العالم العربي-على فهم هذا التحول والتعامل معه.

Continue Reading

أهم الأخبار

طبيب عربي من العصور الوسطى صحح تشريح العين وغير مسار الطب في أوروبا

Published

on

كشفت دراسة حديثة أن الطبيب والعالم العربي حنين بن إسحاق، الذي عاش في القرن التاسع، لعب دورا محوريا في تشكيل المعرفة الطبية الغربية، بفضل ترجماته لأعمال كبار الأطباء اليونانيين.

المواطن اليوم

ووفقا للورقة البحثية التي نشرتها مجلة Cogent Arts and Humanities، فقد قام الباحثون من جامعة الشارقة بتحليل وترجمة مخطوطة أصلية لحنين تحمل عنوان “في العين مائتان وسبع مسائل”، وهي رسالة مبتكرة في طب العيون صححت مفاهيم خاطئة سائدة في العصور الوسطى، وأثرت بشكل كبير في تطور الطب لاحقا.

وكتبت الرسالة على شكل أسئلة وأجوبة، وتكمل عشرة أعمال أخرى لحنين، وتعتبر مجتمعة علامة فارقة في تاريخ الطب الإسلامي والغربي. وقد وفرت هذه الأعمال تحليلا دقيقا لتشريح العين، بما في ذلك طبقاتها وأعصابها البصرية.

وأوضحت الباحثة دلال الزعبي، المعدة الرئيسية للدراسة، أن حنين بن إسحاق أثبت براعته العلمية في طب العيون، مقدما تفسيرات قائمة على الأدلة. وأكد أن الخلاف حول عدد طبقات العين كان لفظيا فقط، وليس حقيقيا، موضحا أن العين تتكون من سبع طبقات، واحدة فقط مسؤولة عن الرؤية والباقي يدعم وظيفتها. كما وصف بدقة عضلات العين ودور الدماغ في التحكم بها عبر العصب البصري.

ولم يقتصر تأثير حنين على الطب فقط، بل كان مترجما عبقريا. فقد أثرى اللغة العربية بمصطلحات طبية دقيقة ما تزال مستخدمة حتى اليوم، مثل “الشبكية” و”القرنية”. وبدلا من الترجمة الحرفية، ابتكر مصطلحات عربية تعبر عن المعنى بدقة، مثل شبكية العين لأن تركيبها يشبه شبكة الصياد، بالنظر إلى التشابك الكثيف للأوردة والشرايين المتداخلة فيها.
وكان حنين، وهو مسيحي من أهل الحيرة في العراق، يلقب بـ “شيخ المترجمين”. عمل في بيت الحكمة في بغداد، وساهم في ترجمة المخطوطات اليونانية والسريانية إلى العربية، ما حافظ على المعرفة اليونانية القديمة وسهل نقلها لاحقا إلى أوروبا.

ويعد حنين جسرا فكريا بين الطب اليوناني القديم والطب الأوروبي في العصور الوسطى. فقد اعتمدت الجامعات الأوروبية لاحقا على الترجمات اللاتينية التي نقلت عن ترجماته العربية. ويذكر على وجه الخصوص كتابه “المسائل في الطب” الذي ترجم إلى اللاتينية تحت عنوان Isagoge Johannitius وظل لقرون مرجعا تمهيديا لتعليم الطب في أوروبا.

ويصف الأستاذ مأمون صالح عبد الكريم، أستاذ الآثار والتاريخ في جامعة الشارقة، المشارك في الدراسة، حنين بأنه شخصية ذات أهمية دائمة، قائلا: “أثر حنين بن إسحاق بشكل كبير في تطور الطب الغربي. لعب دورا حاسما في ترجمة النصوص الطبية اليونانية إلى العربية، خاصة تلك الخاصة بغالينوس وأبقراط، حيث صقلها وشرحها بدقة علمية ملحوظة. لم يكن حنين مجرد ناقل للطب اليوناني، بل كان واحدا من أهم الجسور الفكرية التي ربطت المعرفة الكلاسيكية بالطب الأوروبي في العصور الوسطى”.
ويضيف الأستاذ مسعود إدريس، أستاذ الحضارة الإسلامية في جامعة الشارقة: “ترجمات حنين بن إسحاق وكتاباته الأصلية مارست تأثيرا ليس فقط داخل العالم الإسلامي ولكن أيضا في أوروبا في العصور الوسطى”. 

وأشار الأستاذ إدريس إلى أن مؤرخي الطب يولون اهتماما خاصا لكتاب حنين “المسائل في الطب” (للمتعلمين)، والذي ترجم إلى اللاتينية تحت عنوان Isagoge Johannitius. وقال: “خدم هذا النص لعدة قرون كدليل طبي تمهيدي في الجامعات الأوروبية. إن تداول أعمال حنين على نطاق واسع في العالم اللاتيني يوضح الدور المهم الذي لعبته المدرسة الطبية الإسلامية في تشكيل أسس التعليم الطبي في أوروبا”.

وخلص الأستاذ عبد الكريم إلى أن إرث حنين بن إسحاق يذكرنا بأن التقدم العلمي لم يولد من فراغ، بل نشأ من الحوار بين الحضارات. فتاريخ الطب “ليس مجرد قصة حضارة واحدة، بل هو حكاية معرفة تنتقل عبر الثقافات لتشكل العلوم العالمية.

وتتناول الدراسة إسهامات حنين في تطوير حركة الترجمة في العصر العباسي الأول، مسلطة الضوء على كيف كان رائدا لنموذج الترجمة الذي يفضي نقل المعنى الكامل للنص الأصلي بدلا من الالتزام بالممارسة السائدة للترجمة الحرفية كلمة بكلمة. وتعد هذه الدراسة هي الأولى التي تنقل مخطوطة “في العين مائتان وسبع مسائل” إلى اللغة الإنجليزية، لتفتح نافذة جديدة على عظمة هذا العالم الذي جمع بين الإتقان الطبي والعبقرية اللغوية.

عن / شبكة ار تي العربيه RT

Continue Reading

الاكثر تداولا

عدد الزوار: 5011661

Copyright © 2017 almowatenalyoum.com