Connect with us

أهم الأخبار

عطسة تشيخوف وعدوى الضحك

Published

on

الجزيرة» – أحمد المغلوث:

في مجلس استراحتنا الأسبوعية الذي بات خلال شهر رمضان المبارك ثلاث مرات في الأسبوع، وكما أشرت في «إطلالة» سابقة، فقد تعودنا أن نلتقي فيها مساء الجمعة، أما في هذا الشهر الكريم فكان موعدنا بعد الساعة العاشرة ليلاً. وصاحبنا أبو صالح صاحب المزرعة التي يوجد فيها مجلسه العامر اعتبرناه جميعًا «استراحتنا» المجانية بفضل كرمه وحُسن ضيافته.. على أن يروي كل واحد من شلة «الاستراحة» حكاية طريفة، عاشها أو سمعها. وفي إطلالة هذا اليوم أكتب لكم الحكاية التي رويتها لهم، وجعلتهم يضحكون كما ضحكت يومها. الحكاية تبدأ عندما وصلت لفرضة الخبر قادمًا من البحرين عبر المركب «الجالبوت»، وبعد أن انتهينا من إجراءات التفتيش توجهنا أنا وصاحبي يوسف إلى موقف سيارات الأجرة للسفر إلى الأحساء. كانت في الموقف سيارتان، إحداهما كان بها راكب أجنبي، يبدو من ملامحه أنه من الهند. كان الجو حارًّا ومشبعًا بالرطوبة، ولم تكن هناك مظلات تظلل السيارات أو حتى المسافرين. وعندما اقتربنا من السيارة التي بها الراكب الهندي ابتسم لنا ابتسامة جذابة، كشفت عن أسنان لامعة. وبسرعة فتح لنا باب السيارة، وتراجع إلى جهة الباب الثاني؛ ليفسح لنا المجال للركوب بدون أن ينبس ببنت شفة اللهم إلا ابتسامته وحركة من رأسه.. وقبل أن نصعد إلى داخل السيارة إذا بصاحبها الذي جاء مهرولاً من أمام المبنى الذي كان يستظل بظلاله، ويراقب عن كثب الموقف. رحَّب بنا باهتمام بالغ، وقال وهو يمسح العرق الذي كان ينضح من وجهه بطرف غترته: «حيا الله الشباب. عساكم استنانستم بمشاهدة الأفلام. ولا رايحين لشيء ثاني». تطلعت في وجهه بنظرات حادة، وفيها غضب؛ وقلت: «استح على وجهك، ماذا تقصد بشيء ثاني..؟». ابتسم السائق بعدما تراجع قليلاً إلى الوراء، وقال: «لا تفهمني غلط يالشباب، هناك من يروح للسينما، وهناك من يروح علشان سوق المقاصيص. فيها محال تبيع أسطوانات محمد فارس وزويد وعبدالله فضالة وحتى أم كلثوم وفريد».

عندها قاطعه يوسف وقال: «خلاص انتهى الموضوع. ورانا مشوار طويل!». فقال السائق: «إذا حبيتم تدفعون أجرة الراكب الرابع لحظات واحنا ماشين».

ثم أضاف: «ممكن الهندي يساهم معكم. وعلى العموم أنا رايح أسجل خروج السيارة من الموقف وراجع. والله يجيب الراكب». وبعد أن انتهى من تسجيل سيارته جاء مبتسمًا وهو يقول: «الحمد لله الراكب الرابع ينتظرنا في «شيشة البنزين الذي سوف نأخذه معنا. أخبرني بذلك موظف المكتب.. ما شاء الله حظكم زين يالشباب». قال ذلك ونحن جالسون الثلاثة في المقعد الخلفي. لم تكن معنا حقائب كبيرة تستدعي وضعها في صندوق السيارة الشيفروليت موديل 54؛ فحقيبتَينا كانتا صغيرتَين؛ ووضعناهما خلفنا في المساحة بين الزجاج الخلفي والمقعد.

بعدها أخرجت من حقيبتي مجلة الآداب اللبنانية؛ لأقرأ فيها خلال الرحلة. كانت السيارة تعبر بنا الطريق متجهة إلى حيث ينتظرنا (الراكب الرابع في الشيشة). وبدت مباني شركة النفط واضحة المعالم كلما اقتربنا منها، وها هي منارة مسجد الظهران الشهير تبدو شامخة. وفجأة التفت إلينا السائق وقال: «دستور يا شباب، عسى عندكم أسطوانات. تراني شراي». فقلت له: «للأسف ما عندنا إلا مجلات وروايات». فقاطعني صاحبي يوسف: «تراه يحسبنا جايبين معنا الخيط والمخيط!». فضحك السائق وقال: «حلوة الخيط والمخيط. لكن معقولة أحد يروح البحرين ولا يشتري الأسطوانات اللي توسع الصدر. على الأقل اشتريتوا لكم كم أسطوانة جابت لكم قيمتها دبل. لا وممكن غطت ما خسرتوه من فلوس هناك».

وانتبه يوسف إلى هذه العبارة باهتمام، وقال مخاطبا السائق: «خلاص لو سمحت رجعنا الفرضة، ونعمل بنصيحتك، ونرجع البحرين ما دام فيها فلوس دبل». فضحك السائق ضحكة جعلت الراكب الهندي يحرك رأسه ويعتدل في جلسته وهو يتساءل بينه وبين نفسه عن الباعث وراء هذه الضحكة المجلجلة. وقلت وأنا أقلب صفحات المجلة: «تركه عنك. تراه خراط، وبيضحك عليك، بيرجع البحرين. طول ليلته البارحة ما نام من الرطوبة رغم أننا نايمين في سطح الفندق. وما جاء الصباح إلا وسراويلنا كلها مبلولة من (الطل) تقول سابحين في عين (الحارة) بسراويلنا وفنايلنا». فرد السائق: «بصراحة رطوبة المنامة ما في مثلها خصوصًا هالأيام». فلاذ بالصمت. وكنا قد بلغنا» الشيشة»، وقام عامل «الشيشة» بتعبئة السيارة بالبنزين بعدما تسلم السائق منا الأجرة، وما هي إلا لحظات وإذا بالراكب الرابع قادم إلينا. ألقى علينا تحية السلام، وركب في المقعد الأمامي. كان يرتدي بنطلونًا بلون (كاكي)، وقميصًا أبيض، ويضع على رأسه غترة. كان الرجل طويلاً ونحيلاً ذا شارب خفيف، ولحية قصيرة. وعندما اعتدل في جلسته قال للسائق: «عسى ما تأخرت عليكم. من الصباح بلغت أحد الزملاء وهو رايح الخبر يسجل اسمي في مكتب موقف السيارات. (الشيشة) هنا أقرب لي من هناك». كان الحر شديدًا، والرطوبة خانقة، ولكنها أخف كثيرًا من رطوبة المنامة. كان واضحًا أن الرجل أحد العاملين في شركة النفط، ويبدو أنه في إجازة ما. نظر السائق في وجه الرجل بسرعة وهو يستعد للانطلاق، وقد تعجب من سفره في وسط أيام الأسبوع.

وتساءلت بيني وبين نفسي: «لماذا خطر له الخاطر نفسه، واشتركنا معًا في التساؤل ذاته». لاحظ الرجل حيرتنا، وعلى الأخص السائق؛ لأنه «تطلع في وجهه»؛ فقال مخاطبًا السائق: «جاني خبر وفاة جدتي، وضروري ألحق الصلاة عليها. الدفن العصر». واستطرد: «الله يرحمها، ويسكنها الجنة. كانت جدة بمنزلة أم». قال ذلك وخنقته العبرة؛ وراح يبكي بحرقة. قمنا جميعًا بمواساته، والدعاء لجدته حتى هدأ. حتى الهندي راح يتساءل عن سبب بكاء الرجل، فرد عليه بلغة إنجليزية جيدة، وشعر الهندي بسعادة؛ لأنه وجد بين ركاب هذه السيارة واحدًا يستطيع الحديث معه بيُسر وسهولة بعيدًا عن الكلمات غير المفهومة له. وعندما خرجنا من حدود مدينة الظهران، وكما يقال «مسكنا الخط»، إذا بالسائق يقول: «بلا هم ولا غم. خلينا نوسع الصدر. كلنا في يوم من الأيام بنروح مثلما راحت جدة الحبيب». قالها وهو يشغل جهاز أسطوانات السيارة. وإذا بها أغنية للمطرب الشعبي (طاهر الأحسائي: ثلاث رايحات الصالحية.. في شارع عبد ربه قابلوني). فجأة تقلص وجه الرجل، وراح يخز السائق بنظراته المعاتبة، وكاد يمد يده ليصفعه، لكنه كان متماسكًا، ثم راح يتحدث بإنجليزية لم نفهمها، لا أنا، ولا صاحبي يوسف، ولا حتى السائق، إنما فهمها الراكب الهندي.

ورحت أتصفح المجلة، وإذا بي أجد قصة «موت موظف» للروائي أنطون تشيخوف، التي تروي حكاية إيفان تشر ياكوف الذي كان جالسًا في الصالة، ثم عطس، ويبدو أنه بلل بعطسته الجنرال بريزجالوف.. وراح يصور الكاتب أنطون ما حدث بعد ذلك بأسلوب ساخر، لا يمكن أن تملك نفسك دون أن تضحك، كما حدث لصاحب العطسة الذي لم يملك نفسه خلالها.

فرحتُ أضحك بدرجة جعلت عيون أربعة ركاب (تتطلع في وجهي) عدا السائق؛ إذ كان ينظر لي من خلال مرآة السيارة باستغراب. وفجأة قال الرجل بحدة: «ليه تضحك بهذه الصورة؟». فأجبته: «حكاية في المجلة جعلتني أضحك. اسمح لي، ما قدرت أمسك نفسي». تنحنح الرجل بأسلوب غير المصدق، وقال: «ما أصدق. أنا أقرأ في مكتبة الشركة بالعربي والإنجليزي قصصًا ونوادر لجحا وأشعب وغيرهما، لكن ما عمري ضحكت بهذا الشكل». قاطعته قائلاً: «طيب، ممكن تقرأ هذه الحكاية، ونشوف تقدر تمسك نفسك ولا لا؟ على أية حال جرب لو سمحت». فناولته المجلة، وراح يقرأ ويقرأ، وما هي إلا دقائق وإذا به يضحك، ويواصل الضحك بصورة جعلت عدوى الضحك تسري بيننا جميعًا، حتى الراكب الهندي (كويان).

Continue Reading
Click to comment

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أهم الأخبار

سمو محافظ الأحساء يستقبل قيادات التعليم ويكرّم الفائزين بالجوائز المحلية والدولية

Published

on

المواطن اليوم /

استقبل صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن طلال بن بدر محافظ الأحساء ، بمقر المحافظة ، أمس ” الثلاثاء ” مدير عام الإدارة العامة للتعليم بالأحساء طواشي بن يوسف الكناني، وعددًا من القيادات التعليمية ومديري ومديرات المدارس، وذلك في إطار دعم مسيرة التعليم وتعزيز منجزاته

وأشاد سمو محافظ الأحساء بما يحظى به قطاع التعليم ومنسوبوه من رعاية واهتمام ودعم من القيادة الرشيدة –حفظها الله– مؤكدًا أن الاستثمار في الإنسان يُعد أحد أهم أولويات الدولة، وأن قطاع التعليم يمثل ركيزة أساسية في بناء الأجيال، انسجامًا مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 التي أولت التعليم اهتمامًا كبيرًا باعتباره محورًا رئيسًا في التنمية وبناء الإنسان، معربًا عن اعتزازه بما يحققه تعليم الأحساء من إنجازات نوعية على المستويين المحلي والدولي، مشيرًا إلى أن هذه المنجزات تعكس تكامل الجهود والعمل الجاد من قبل القيادات التعليمية والمعلمين والمعلمات، إضافة إلى ما وفرته الدولة من إمكانات أسهمت في تطوير البيئة التعليمية

وشاهد سموّه والحضور عرضًا مرئيًا بعنوان “إنجازات وتطلعات”، استعرض أبرز منجزات إدارة التعليم وخططها المستقبلية، حيث حصل تعليم الأحساء على المركز الأول بنسبة (100%) على مستوى إدارات التعليم، في انضباط الطلاب ورصد الغياب خلال شهر رمضان المبارك، وحقق طلاب المحافظة المركز الثالث في مجال العلوم، والمركز الرابع في مجال الرياضيات على مستوى المملكة ، وتم اكتشاف (2296) طالبًا وطالبة موهوبة اجتازوا مقياس موهبة، وحصل الطلاب على (15) ميدالية في مسابقة كاوست للرياضيات، كما تم ترشيح (6) طلاب في مسابقة إبداع 2026 لتمثيل المملكة في المحافل العالمية ، وحقق (135) طالبًا وطالبة ميداليات في مسابقة بيبراس المعلوماتية، وحصد (5) طلاب جوائز في معرض سيئول الدولي للاختراعات ، كما بدأ العمل لإنشاء صالتين رياضيتين بسعة طلابية بلغت (900) طالبة، وإنشاء (6) ملاعب عشبية بسعة طلابية بلغت (1524) طالبًا وطالبة. كما يجري تنفيذ (3) مشاريع إنشائية لمبانٍ مدرسية بسعة طلابية تبلغ (1800) طالب وطالبة، وتم توقيع عقود (7) مشاريع مدرسية جديدة، بسعة (4080) طالبًا وطالبة ، إضافة إلى ترميم (32) مبنى مدرسيًا ضمن أعمال الصيانة الطارئة، مع استمرار العمل على ترميم (18) مبنى مدرسيًا آخر

وقدم الكناني الشكر والتقدير للقيادة الرشيدة – حفظها الله – على ما توليه من دعم مستمر للتعليم، مؤكدًا أن اهتمام ومتابعة سمو محافظ الأحساء كان لهما أثر كبير في تحقيق إنجازات الإدارة خلال العام الدراسي الحالي 1447هـ

وفي ختام اللقاء كرّم سمو محافظ الأحساء المدارس والمعلمين والمعلمات الفائزين بجوائز محلية ودولية خلال العام الدراسي الحالي 1447هـ، تقديرًا لتميزهم وإسهاماتهم في رفع اسم المحافظة في المحافل التعليمية المختلفة .

Continue Reading

أهم الأخبار

الصين بعد الذكاء الاصطناعي: من “مصنع العالم” إلى “عقل العالم”

Published

on

المواطن اليوم

بقلم : وارف قميحة، رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث، رئيس الرابطة العربية الصينية للحوار والتواصل

لم يعد توصيف الصين كـ”مصنع العالم” كافيًا لفهم موقعها في الاقتصاد الدولي. فخلال العقدين الماضيين، تحوّل هذا الدور تدريجيًا من الاعتماد على العمالة منخفضة الكلفة إلى الاستثمار المكثف في التكنولوجيا، والبحث العلمي، والابتكار. واليوم، مع تسارع تطور الذكاء الاصطناعي، تدخل الصين مرحلة جديدة تسعى فيها إلى أن تكون ليس فقط مركزًا للإنتاج، بل مركزًا للمعرفة.

هذا التحول ليس طارئا، بل نتيجة سياسات طويلة الأمد. فقد وضعت بكين منذ سنوات أهدافا واضحة ضمن خططها التنموية، أبرزها مبادرة “صنع في الصين 2025” (Made in China 2025)، التي ركزت على نقل الاقتصاد من الصناعات التقليدية إلى الصناعات المتقدمة، مثل الروبوتات، وأشباه الموصلات، والتقنيات الرقمية. كما دعمت الحكومة هذا التوجه من خلال استثمارات كبيرة في البحث والتطوير، حيث تجاوز إنفاق الصين على البحث والتطوير، وفق أحدث البيانات (2025)، 3.9 تريليون يوان (نحو 570 مليار دولار)، ما يضعها ضمن أكبر الدول إنفاقًا عالميًا في هذا المجال.

في سياق الذكاء الاصطناعي تحديدًا، أطلقت الصين خطة وطنية عام 2017 تهدف إلى أن تصبح رائدة عالميًا في هذا القطاع بحلول 2030. ومنذ ذلك الحين، شهدت البلاد توسعًا كبيرًا في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، سواء في الصناعة، أو الخدمات، أو الإدارة الحكومية.

وهنا لا يتعلق الأمر بمجرد سباق تكنولوجي، بل بإعادة تعريف موقع الدولة في الاقتصاد العالمي—من منتج للتقنيات إلى صانع لمنطقها.

تلعب شركات التكنولوجيا الكبرى دورًا محوريًا في هذا التحول، مثل Baidu في تطوير نماذج اللغة والقيادة الذاتية، وAlibaba في الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي التجاري، وTencent في تطبيقات البيانات الضخمة والمنصات الرقمية. هذه الشركات لا تعمل بمعزل عن الدولة، بل ضمن بيئة تنسيق تجمع بين القطاعين العام والخاص، وهو نموذج يميز التجربة الصينية.

فالعلاقة هنا ليست فصلًا بين سوق ودولة، بل تكاملًا يهدف إلى تسريع التحول وضبط اتجاهه في آن واحد.

في الوقت نفسه، تستفيد الصين من حجم سوقها الداخلي، الذي يضم أكثر من مليار وأربعمئة مليون نسمة، ويوفر كميات هائلة من البيانات، تُعد عنصرًا أساسيًا في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي. كما أن انتشار البنية التحتية الرقمية، واعتماد التقنيات الحديثة في الحياة اليومية، من الدفع الإلكتروني إلى المدن الذكية، يسرّع من وتيرة هذا التحول.

وتشير بيانات (2025) إلى أن عدد مستخدمي تقنيات الذكاء الاصطناعي في الصين تجاوز 500 مليون مستخدم، ما يعكس انتقال هذه التكنولوجيا من المختبر إلى الاستخدام الواسع في المجتمع والاقتصاد.

وهذا ما يمنح الصين ميزة يصعب استنساخها: بيئة اختبار واسعة، وسريعة، ومتصلة مباشرة بالاستخدام الفعلي.

غير أن هذا المسار لا يخلو من تحديات. فالصين لا تزال تواجه قيودًا في بعض المجالات الحساسة، خاصة في صناعة أشباه الموصلات المتقدمة، حيث تعتمد جزئيًا على التكنولوجيا الخارجية. كما أن المنافسة مع الولايات المتحدة في مجال الذكاء الاصطناعي تزداد حدة، ما يضيف بعدًا جيوسياسيًا لهذا التحول التكنولوجي.

فالذكاء الاصطناعي لم يعد قطاعًا اقتصاديًا فقط، بل أصبح أداة سيادة، تعاد من خلالها صياغة موازين القوة.

إلى جانب ذلك، تطرح هذه التحولات تحديات داخلية تتعلق بالتنظيم، وحماية البيانات، وتأثير الأتمتة على سوق العمل. وقد بدأت الصين بالفعل في وضع أطر تنظيمية لهذه التقنيات، في محاولة لتحقيق توازن بين الابتكار والرقابة، وهو توازن دقيق سيحدد مسار هذا التحول في السنوات المقبلة.

في هذا السياق، يبرز طرح صيني أوسع يرتبط بمفاهيم مثل “التنمية عالية الجودة” و”الابتكار كقوة دافعة أولى”، وهي مفاهيم أساسية في خطاب الرئيس شي جين بينغ، الذي أكد مرارًا أن التكنولوجيا ستكون محور التنافس الدولي في المرحلة المقبلة.وهنا، لا تنافس الصين على التكنولوجيا بحد ذاتها، بل على من يملك تعريفها، ومن يضع معايير استخدامها عالميًا.

بناءً على ذلك، فإن انتقال الصين من “مصنع العالم” إلى ما يمكن وصفه بـ”عقل العالم” ليس مجرد تغيير في النشاط الاقتصادي، بل تحول في موقعها ضمن سلسلة القيمة العالمية. فبدل الاكتفاء بالإنتاج، تسعى الصين إلى التحكم في المعرفة، والتصميم، والتكنولوجيا-وهي العناصر التي تحدد القيمة الحقيقية في الاقتصاد الحديث.

ومع أن هذا التحول لا يزال قيد التشكّل، إلا أن مؤشراته واضحة. فالصين لم تعد فقط منصة للتصنيع، بل أصبحت لاعبًا رئيسيًا في صياغة مستقبل التكنولوجيا، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي.

أما عربيًا، فإن هذا التحول يضع المنطقة أمام مفترق واضح. فالدول العربية، التي ارتبطت بالصين لعقود كشريك تجاري ومصدر للاستثمار والبنية التحتية، تجد نفسها اليوم أمام شريك يتغير في جوهره. لم تعد العلاقة مع بكين محصورة في الموانئ والطرق والطاقة، بل باتت تمتد إلى التكنولوجيا، والبيانات، والاقتصاد الرقمي.

وهنا يكمن التحدي الحقيقي:هل ستبقى الدول العربية مستهلكًا للتكنولوجيا، أم ستتحول إلى شريك في إنتاجها؟

فالدخول في عصر الذكاء الاصطناعي لا يمر فقط عبر استيراد الحلول، بل عبر بناء القدرات المحلية، والاستثمار في التعليم، وتطوير بيئات تشريعية تسمح بالابتكار. والصين، بنموذجها الحالي، تقدم فرصة، لكنها في الوقت نفسه تفرض واقعًا جديدًا: من لا يواكب، يبقى خارج معادلة القيمة.

المسألة لم تعد قدرة الصين على اللحاق، بل قدرة الآخرين-ومنهم العالم العربي-على فهم هذا التحول والتعامل معه.

Continue Reading

أهم الأخبار

طبيب عربي من العصور الوسطى صحح تشريح العين وغير مسار الطب في أوروبا

Published

on

كشفت دراسة حديثة أن الطبيب والعالم العربي حنين بن إسحاق، الذي عاش في القرن التاسع، لعب دورا محوريا في تشكيل المعرفة الطبية الغربية، بفضل ترجماته لأعمال كبار الأطباء اليونانيين.

المواطن اليوم

ووفقا للورقة البحثية التي نشرتها مجلة Cogent Arts and Humanities، فقد قام الباحثون من جامعة الشارقة بتحليل وترجمة مخطوطة أصلية لحنين تحمل عنوان “في العين مائتان وسبع مسائل”، وهي رسالة مبتكرة في طب العيون صححت مفاهيم خاطئة سائدة في العصور الوسطى، وأثرت بشكل كبير في تطور الطب لاحقا.

وكتبت الرسالة على شكل أسئلة وأجوبة، وتكمل عشرة أعمال أخرى لحنين، وتعتبر مجتمعة علامة فارقة في تاريخ الطب الإسلامي والغربي. وقد وفرت هذه الأعمال تحليلا دقيقا لتشريح العين، بما في ذلك طبقاتها وأعصابها البصرية.

وأوضحت الباحثة دلال الزعبي، المعدة الرئيسية للدراسة، أن حنين بن إسحاق أثبت براعته العلمية في طب العيون، مقدما تفسيرات قائمة على الأدلة. وأكد أن الخلاف حول عدد طبقات العين كان لفظيا فقط، وليس حقيقيا، موضحا أن العين تتكون من سبع طبقات، واحدة فقط مسؤولة عن الرؤية والباقي يدعم وظيفتها. كما وصف بدقة عضلات العين ودور الدماغ في التحكم بها عبر العصب البصري.

ولم يقتصر تأثير حنين على الطب فقط، بل كان مترجما عبقريا. فقد أثرى اللغة العربية بمصطلحات طبية دقيقة ما تزال مستخدمة حتى اليوم، مثل “الشبكية” و”القرنية”. وبدلا من الترجمة الحرفية، ابتكر مصطلحات عربية تعبر عن المعنى بدقة، مثل شبكية العين لأن تركيبها يشبه شبكة الصياد، بالنظر إلى التشابك الكثيف للأوردة والشرايين المتداخلة فيها.
وكان حنين، وهو مسيحي من أهل الحيرة في العراق، يلقب بـ “شيخ المترجمين”. عمل في بيت الحكمة في بغداد، وساهم في ترجمة المخطوطات اليونانية والسريانية إلى العربية، ما حافظ على المعرفة اليونانية القديمة وسهل نقلها لاحقا إلى أوروبا.

ويعد حنين جسرا فكريا بين الطب اليوناني القديم والطب الأوروبي في العصور الوسطى. فقد اعتمدت الجامعات الأوروبية لاحقا على الترجمات اللاتينية التي نقلت عن ترجماته العربية. ويذكر على وجه الخصوص كتابه “المسائل في الطب” الذي ترجم إلى اللاتينية تحت عنوان Isagoge Johannitius وظل لقرون مرجعا تمهيديا لتعليم الطب في أوروبا.

ويصف الأستاذ مأمون صالح عبد الكريم، أستاذ الآثار والتاريخ في جامعة الشارقة، المشارك في الدراسة، حنين بأنه شخصية ذات أهمية دائمة، قائلا: “أثر حنين بن إسحاق بشكل كبير في تطور الطب الغربي. لعب دورا حاسما في ترجمة النصوص الطبية اليونانية إلى العربية، خاصة تلك الخاصة بغالينوس وأبقراط، حيث صقلها وشرحها بدقة علمية ملحوظة. لم يكن حنين مجرد ناقل للطب اليوناني، بل كان واحدا من أهم الجسور الفكرية التي ربطت المعرفة الكلاسيكية بالطب الأوروبي في العصور الوسطى”.
ويضيف الأستاذ مسعود إدريس، أستاذ الحضارة الإسلامية في جامعة الشارقة: “ترجمات حنين بن إسحاق وكتاباته الأصلية مارست تأثيرا ليس فقط داخل العالم الإسلامي ولكن أيضا في أوروبا في العصور الوسطى”. 

وأشار الأستاذ إدريس إلى أن مؤرخي الطب يولون اهتماما خاصا لكتاب حنين “المسائل في الطب” (للمتعلمين)، والذي ترجم إلى اللاتينية تحت عنوان Isagoge Johannitius. وقال: “خدم هذا النص لعدة قرون كدليل طبي تمهيدي في الجامعات الأوروبية. إن تداول أعمال حنين على نطاق واسع في العالم اللاتيني يوضح الدور المهم الذي لعبته المدرسة الطبية الإسلامية في تشكيل أسس التعليم الطبي في أوروبا”.

وخلص الأستاذ عبد الكريم إلى أن إرث حنين بن إسحاق يذكرنا بأن التقدم العلمي لم يولد من فراغ، بل نشأ من الحوار بين الحضارات. فتاريخ الطب “ليس مجرد قصة حضارة واحدة، بل هو حكاية معرفة تنتقل عبر الثقافات لتشكل العلوم العالمية.

وتتناول الدراسة إسهامات حنين في تطوير حركة الترجمة في العصر العباسي الأول، مسلطة الضوء على كيف كان رائدا لنموذج الترجمة الذي يفضي نقل المعنى الكامل للنص الأصلي بدلا من الالتزام بالممارسة السائدة للترجمة الحرفية كلمة بكلمة. وتعد هذه الدراسة هي الأولى التي تنقل مخطوطة “في العين مائتان وسبع مسائل” إلى اللغة الإنجليزية، لتفتح نافذة جديدة على عظمة هذا العالم الذي جمع بين الإتقان الطبي والعبقرية اللغوية.

عن / شبكة ار تي العربيه RT

Continue Reading

الاكثر تداولا

عدد الزوار: 5058038

Copyright © 2017 almowatenalyoum.com