Connect with us

أهم الأخبار

رحيل بائع الكتب.. الذي لا يقرأ ولا يكتب!

Published

on

 

بائع الكتب

عبدالجبار العتابي

بغداد: رحل الرجل الذي التصق بالكتب مهنة وبسوق السراي مكانا، رحل عن عمر 89 عاما، وبالتأكيد بسبب الشيخوخة والامراض التي كان يشكو منها والتي عاثت بجسده الضعيف المنهك الذي لا قدرة له على الذهاب الى المستشفى لاجراء الفحوصات والعلاج، وقد كان يمضي ايامه الاخيرة منسدلا وسط الكتب او متكئا على كومة منها او يتمدد متوسدا اياها، رحل.. بعد غاب عن المكان الذي يفترش فيه كتبه الذي امضى فيه سنوات طويلة جدا، طال غيابه لاشهر وخلا المكان منه ومن كتبه التي تتبعثر هناك، ومن ثم جاء نعيه متثائبا لا يقوى على الطيران، فليس هنالك من ينعاه، لكن خبر موته جاء يحوم حول المكان بحزن ليعلم الذي يعملون في سوق السراي / الشارع، ان صاحب هذه المساحة الصغيرة في طرف من الشارع لن يعود، لكنه يستحق الرثاء لانه عرف قيمة الكتاب وان كان اميا، فارتبطت حياته ورزقه بالكتب، يعرف كيف يشتريها مثلما يعرف كيف يبيعها ويتصرف بها وكيف يتعامل مع الاخرين، وقد عرفته منذ اكثر من 30 عاما فلم يبرح المكان وكان كما عهدته جالسا او مستلقيا، قليل الكلام او صارخا من وجع ما.  هذا الرجل.. وجد نفسه على قارعة الطريق في السوق الذي كان يشتهر ببيع الكتب قبل ان يتحول الى سوق للقرطاسية، لكنه ظل يمارس هذه المهنة في ذات المكان فلم تمكنه الايام من ان يكون صاحب محل مثل غيره، وكأنه جذوره امتدت في ارض المكان.      حاورته ذات مرة وكتبت عنه، عن تاريخه واحواله، بعد ان تعرفت عليه منه، اسمه.. احمد حسين، لكنه يشتهر بـكنية (ابو علي)، من مواليد عام 1925، مقره ومستقره في سوق السراي الشهير ببغداد، الخاص ببيع القرطاسية، والذي يقع بجوار شارع المتنبي، وكما يقول انه هنا منذ ستين عاما!!، لم يتزحزح من البقعة التي يجلس فيها وينثر عليها اشياءه، الا بمقدار تحوله من هذه الجهة الى تلك التي مقدارا المسافة بينهما اقل من مترين، وفقا لاصحاب محال الصاغة، وقد استغل غياب احدهم الطويل فجلس في مكانه طويلا.  انه.. رجل اتعبته الحياة كثيرا لكنه ظل صامدا في مكانه الذي يقتات منه على ما يحصل عليه من بيع المجلات والكتب، قوي.. لكن الزمن سرق النور من عينيه فلم يعد يرى الا قليلا، بالاضافة الى سمعه الضعيف، يمتلك روح النكتة، تجد لديه السخرية مثل ممثل كوميدي لا يمتلك سوى السخرية المرة من حياته وواقعه، الذين حوله يعرفون تفاصيل حياته اكثر مما يعرفها عن نفسه.توقفت عنده.. وكان متكئا على حائط امام محل الصياغة المغلق، فكان المكان الصغير واحته التي لا يرى اجمل منها، ليس له علاقة بالدنيا ولا يرتيط بها الا من خلال ابنه الشاب الذي يبيع بالقرب من المرطبات، وثمة ترابط غريب بين الاثنين، ترابط انساني محزن ومثير للغاية، وهو ان الابن مصاب بالصرع وهو لايقوى على الحركة والمشي الا بالاتكاء على كتف ابيه، فهو يستفيد من قوة ابيه ليستند عليها، فيما الاب يستفيد من عينيّ ابنه لتدله على الطريق في الذهاب والاياب من والى سوق السراي، وهما يقيمان في غرفة في فندق في الكرخ!!!، لذلك عليهما كل يوم عبور جسر الشهداء سيرا على الاقدام، ومن الطريف ان تشاهد امامه كتبا ومجلات بلغات متعددة،    اتكاءته تحتاج وحدها الى قراءة في فلسفة الوجود، ونظرته الساخرة تحتاج الى اساتذة في علم النفس لتفسيرها!!.      المهم.. انني حاولت ان اتحدث اليه واستل منه الجمل المفيدة، فقال: في هذا المكان صار لي 60 عاما، وكنت قبل ان اجيء الى هنا احمل الكتب في عربات في شارع الرشيد، حين كان سعر الكتاب خمسين فلسا، وكانت امانة العاصمة تطاردنا، كنا بـ(القوة) عايشين، انا رجل (فقري)، وجئت هنا ابيع الكتب التي اشتريها من الناس بالمفرد وبالجملة، وفي الاغلب التي تجلبها اصحابها لي من المحافظات، كنت في زمان الاول احصل على ثلاثة دراهم يوميا وهي كبيرة وتعيش بها عائلة سبعة ايام، وهذا كان الى حد الثمانينيات بعدها لم تعد الدراهم تنفع، ولكن في التسعينيات تحسن البيع عندي واصبحت اربح يوميا (1500) دينار، وانا هنا على الارض لانني لا املك (صرماية) استطيع بها ان افتح دكانا، واستقر به، لانني رجل (فقري) هذا حالي، فأنا ليس لدي سوى ابن عمره (30) عاما اسمه علي لكنه مريض، ونعيش معا في غرفة في فندق قديم بساحة الشهداء في منطقة الكرخ. واضاف حين سألته عن شهادته الدراسية ساخرا: (انا خريج كلية الزراعة ولكن لعدم وجود زراعة تركتها)، وبعد لحظات يقول: انا لا اقرأ ولا اكتب ولكن لدي ممارسة طويلة في بيع الكتب واعرف الكتب الجيدة من غير الجيدة، والمطلوبة من غيرها، اعرف هذا بحدسي ومن حركة السوق، والان احصل على ربح ما بين الف والفين نشتري بها خبزا وماء و (مطلعين العيشة)، اجيء في الساعة الثامنة صباحا واغادر في الثانية ظهرا، واترك كتبي في مكانها بالشارع، اغطيها بقطع الكارتون وهي في امان.      وحين سألته عن الكتب والمجلات الاجنبية قال: الكتب الروسية ليس عليها طلب على عكس الانكليزية، واعرف قيمة المجلات الانكليزية فأبيع كل واحدة بسعر ولكن ليس غاليا، وانا استطيع ان افرق بينها، اعرف ولا تسألني (شلون)، ألتقطت له صورا، لكنه كان يتحدث معي ان عسى ان يقرأ احد اللقاء بعد نشره ويجد لي حلا، بالعامية يقولها (يسوي لي جارة) !!!. (ولم يعمل له احد شيئا).     احد جيرانه من اصحاب محلات القرطاسية تحدث لي عنه قائلا: انا اعرفه منذ زمن طويل، وهو من اقدم الذين في الشارع، رجل لا يضجر ابدا لانه لاعلاقة له بأي شيء، والله يرزقه على مايأتيه، لكن مشكاته انه لايرى وابنه الوحيد عنده صرع، هو يحتاج ابنه حتى يوصيه بعينيه الى بيته، وابنه يحتاجه كي يتعكز عليه، لديه عزة نفس، فهو رغم حالته الصعبة لا يستجدي، ولكن يبيع الكتب والمجلات بذكاء، يستخدم صوته ويمزح مع المارة ويخلق نوعا من الاثارة في الشارع، البعض يأتيه بالكتب مجانا، ذات مرة اهداه احدهم مكتبة كاملة باللغة الروسية باعها بالجملة بسعر بسيط!!، واجمل اللحظات التي انا استمتع بها حينما يجمع كتبه ومجلاته في الزاوية ويغطيها بقطع كارتون ويذهب.      رحم الله ابو علي الذي سيظل مكانه مضيئا وستظل اعين الغادين والرائحين في سوق السراي تتطلع اليه وتتذكره بمحبة، سيفتقدك السوق والقرطاسية والكتب والمجلات التي لم تبعها، وسيفتقدك شارع المتنبي، نم قرير العين ايها الرجل الامي الذي اشترى وباع الكتب ومات ومن جسمه تنز رائحة الحبر.

المصدر ايلاف

Continue Reading
Click to comment

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أهم الأخبار

سمو محافظ الأحساء يستقبل قيادات التعليم ويكرّم الفائزين بالجوائز المحلية والدولية

Published

on

المواطن اليوم /

استقبل صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن طلال بن بدر محافظ الأحساء ، بمقر المحافظة ، أمس ” الثلاثاء ” مدير عام الإدارة العامة للتعليم بالأحساء طواشي بن يوسف الكناني، وعددًا من القيادات التعليمية ومديري ومديرات المدارس، وذلك في إطار دعم مسيرة التعليم وتعزيز منجزاته

وأشاد سمو محافظ الأحساء بما يحظى به قطاع التعليم ومنسوبوه من رعاية واهتمام ودعم من القيادة الرشيدة –حفظها الله– مؤكدًا أن الاستثمار في الإنسان يُعد أحد أهم أولويات الدولة، وأن قطاع التعليم يمثل ركيزة أساسية في بناء الأجيال، انسجامًا مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 التي أولت التعليم اهتمامًا كبيرًا باعتباره محورًا رئيسًا في التنمية وبناء الإنسان، معربًا عن اعتزازه بما يحققه تعليم الأحساء من إنجازات نوعية على المستويين المحلي والدولي، مشيرًا إلى أن هذه المنجزات تعكس تكامل الجهود والعمل الجاد من قبل القيادات التعليمية والمعلمين والمعلمات، إضافة إلى ما وفرته الدولة من إمكانات أسهمت في تطوير البيئة التعليمية

وشاهد سموّه والحضور عرضًا مرئيًا بعنوان “إنجازات وتطلعات”، استعرض أبرز منجزات إدارة التعليم وخططها المستقبلية، حيث حصل تعليم الأحساء على المركز الأول بنسبة (100%) على مستوى إدارات التعليم، في انضباط الطلاب ورصد الغياب خلال شهر رمضان المبارك، وحقق طلاب المحافظة المركز الثالث في مجال العلوم، والمركز الرابع في مجال الرياضيات على مستوى المملكة ، وتم اكتشاف (2296) طالبًا وطالبة موهوبة اجتازوا مقياس موهبة، وحصل الطلاب على (15) ميدالية في مسابقة كاوست للرياضيات، كما تم ترشيح (6) طلاب في مسابقة إبداع 2026 لتمثيل المملكة في المحافل العالمية ، وحقق (135) طالبًا وطالبة ميداليات في مسابقة بيبراس المعلوماتية، وحصد (5) طلاب جوائز في معرض سيئول الدولي للاختراعات ، كما بدأ العمل لإنشاء صالتين رياضيتين بسعة طلابية بلغت (900) طالبة، وإنشاء (6) ملاعب عشبية بسعة طلابية بلغت (1524) طالبًا وطالبة. كما يجري تنفيذ (3) مشاريع إنشائية لمبانٍ مدرسية بسعة طلابية تبلغ (1800) طالب وطالبة، وتم توقيع عقود (7) مشاريع مدرسية جديدة، بسعة (4080) طالبًا وطالبة ، إضافة إلى ترميم (32) مبنى مدرسيًا ضمن أعمال الصيانة الطارئة، مع استمرار العمل على ترميم (18) مبنى مدرسيًا آخر

وقدم الكناني الشكر والتقدير للقيادة الرشيدة – حفظها الله – على ما توليه من دعم مستمر للتعليم، مؤكدًا أن اهتمام ومتابعة سمو محافظ الأحساء كان لهما أثر كبير في تحقيق إنجازات الإدارة خلال العام الدراسي الحالي 1447هـ

وفي ختام اللقاء كرّم سمو محافظ الأحساء المدارس والمعلمين والمعلمات الفائزين بجوائز محلية ودولية خلال العام الدراسي الحالي 1447هـ، تقديرًا لتميزهم وإسهاماتهم في رفع اسم المحافظة في المحافل التعليمية المختلفة .

Continue Reading

أهم الأخبار

الصين بعد الذكاء الاصطناعي: من “مصنع العالم” إلى “عقل العالم”

Published

on

المواطن اليوم

بقلم : وارف قميحة، رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث، رئيس الرابطة العربية الصينية للحوار والتواصل

لم يعد توصيف الصين كـ”مصنع العالم” كافيًا لفهم موقعها في الاقتصاد الدولي. فخلال العقدين الماضيين، تحوّل هذا الدور تدريجيًا من الاعتماد على العمالة منخفضة الكلفة إلى الاستثمار المكثف في التكنولوجيا، والبحث العلمي، والابتكار. واليوم، مع تسارع تطور الذكاء الاصطناعي، تدخل الصين مرحلة جديدة تسعى فيها إلى أن تكون ليس فقط مركزًا للإنتاج، بل مركزًا للمعرفة.

هذا التحول ليس طارئا، بل نتيجة سياسات طويلة الأمد. فقد وضعت بكين منذ سنوات أهدافا واضحة ضمن خططها التنموية، أبرزها مبادرة “صنع في الصين 2025” (Made in China 2025)، التي ركزت على نقل الاقتصاد من الصناعات التقليدية إلى الصناعات المتقدمة، مثل الروبوتات، وأشباه الموصلات، والتقنيات الرقمية. كما دعمت الحكومة هذا التوجه من خلال استثمارات كبيرة في البحث والتطوير، حيث تجاوز إنفاق الصين على البحث والتطوير، وفق أحدث البيانات (2025)، 3.9 تريليون يوان (نحو 570 مليار دولار)، ما يضعها ضمن أكبر الدول إنفاقًا عالميًا في هذا المجال.

في سياق الذكاء الاصطناعي تحديدًا، أطلقت الصين خطة وطنية عام 2017 تهدف إلى أن تصبح رائدة عالميًا في هذا القطاع بحلول 2030. ومنذ ذلك الحين، شهدت البلاد توسعًا كبيرًا في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، سواء في الصناعة، أو الخدمات، أو الإدارة الحكومية.

وهنا لا يتعلق الأمر بمجرد سباق تكنولوجي، بل بإعادة تعريف موقع الدولة في الاقتصاد العالمي—من منتج للتقنيات إلى صانع لمنطقها.

تلعب شركات التكنولوجيا الكبرى دورًا محوريًا في هذا التحول، مثل Baidu في تطوير نماذج اللغة والقيادة الذاتية، وAlibaba في الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي التجاري، وTencent في تطبيقات البيانات الضخمة والمنصات الرقمية. هذه الشركات لا تعمل بمعزل عن الدولة، بل ضمن بيئة تنسيق تجمع بين القطاعين العام والخاص، وهو نموذج يميز التجربة الصينية.

فالعلاقة هنا ليست فصلًا بين سوق ودولة، بل تكاملًا يهدف إلى تسريع التحول وضبط اتجاهه في آن واحد.

في الوقت نفسه، تستفيد الصين من حجم سوقها الداخلي، الذي يضم أكثر من مليار وأربعمئة مليون نسمة، ويوفر كميات هائلة من البيانات، تُعد عنصرًا أساسيًا في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي. كما أن انتشار البنية التحتية الرقمية، واعتماد التقنيات الحديثة في الحياة اليومية، من الدفع الإلكتروني إلى المدن الذكية، يسرّع من وتيرة هذا التحول.

وتشير بيانات (2025) إلى أن عدد مستخدمي تقنيات الذكاء الاصطناعي في الصين تجاوز 500 مليون مستخدم، ما يعكس انتقال هذه التكنولوجيا من المختبر إلى الاستخدام الواسع في المجتمع والاقتصاد.

وهذا ما يمنح الصين ميزة يصعب استنساخها: بيئة اختبار واسعة، وسريعة، ومتصلة مباشرة بالاستخدام الفعلي.

غير أن هذا المسار لا يخلو من تحديات. فالصين لا تزال تواجه قيودًا في بعض المجالات الحساسة، خاصة في صناعة أشباه الموصلات المتقدمة، حيث تعتمد جزئيًا على التكنولوجيا الخارجية. كما أن المنافسة مع الولايات المتحدة في مجال الذكاء الاصطناعي تزداد حدة، ما يضيف بعدًا جيوسياسيًا لهذا التحول التكنولوجي.

فالذكاء الاصطناعي لم يعد قطاعًا اقتصاديًا فقط، بل أصبح أداة سيادة، تعاد من خلالها صياغة موازين القوة.

إلى جانب ذلك، تطرح هذه التحولات تحديات داخلية تتعلق بالتنظيم، وحماية البيانات، وتأثير الأتمتة على سوق العمل. وقد بدأت الصين بالفعل في وضع أطر تنظيمية لهذه التقنيات، في محاولة لتحقيق توازن بين الابتكار والرقابة، وهو توازن دقيق سيحدد مسار هذا التحول في السنوات المقبلة.

في هذا السياق، يبرز طرح صيني أوسع يرتبط بمفاهيم مثل “التنمية عالية الجودة” و”الابتكار كقوة دافعة أولى”، وهي مفاهيم أساسية في خطاب الرئيس شي جين بينغ، الذي أكد مرارًا أن التكنولوجيا ستكون محور التنافس الدولي في المرحلة المقبلة.وهنا، لا تنافس الصين على التكنولوجيا بحد ذاتها، بل على من يملك تعريفها، ومن يضع معايير استخدامها عالميًا.

بناءً على ذلك، فإن انتقال الصين من “مصنع العالم” إلى ما يمكن وصفه بـ”عقل العالم” ليس مجرد تغيير في النشاط الاقتصادي، بل تحول في موقعها ضمن سلسلة القيمة العالمية. فبدل الاكتفاء بالإنتاج، تسعى الصين إلى التحكم في المعرفة، والتصميم، والتكنولوجيا-وهي العناصر التي تحدد القيمة الحقيقية في الاقتصاد الحديث.

ومع أن هذا التحول لا يزال قيد التشكّل، إلا أن مؤشراته واضحة. فالصين لم تعد فقط منصة للتصنيع، بل أصبحت لاعبًا رئيسيًا في صياغة مستقبل التكنولوجيا، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي.

أما عربيًا، فإن هذا التحول يضع المنطقة أمام مفترق واضح. فالدول العربية، التي ارتبطت بالصين لعقود كشريك تجاري ومصدر للاستثمار والبنية التحتية، تجد نفسها اليوم أمام شريك يتغير في جوهره. لم تعد العلاقة مع بكين محصورة في الموانئ والطرق والطاقة، بل باتت تمتد إلى التكنولوجيا، والبيانات، والاقتصاد الرقمي.

وهنا يكمن التحدي الحقيقي:هل ستبقى الدول العربية مستهلكًا للتكنولوجيا، أم ستتحول إلى شريك في إنتاجها؟

فالدخول في عصر الذكاء الاصطناعي لا يمر فقط عبر استيراد الحلول، بل عبر بناء القدرات المحلية، والاستثمار في التعليم، وتطوير بيئات تشريعية تسمح بالابتكار. والصين، بنموذجها الحالي، تقدم فرصة، لكنها في الوقت نفسه تفرض واقعًا جديدًا: من لا يواكب، يبقى خارج معادلة القيمة.

المسألة لم تعد قدرة الصين على اللحاق، بل قدرة الآخرين-ومنهم العالم العربي-على فهم هذا التحول والتعامل معه.

Continue Reading

أهم الأخبار

طبيب عربي من العصور الوسطى صحح تشريح العين وغير مسار الطب في أوروبا

Published

on

كشفت دراسة حديثة أن الطبيب والعالم العربي حنين بن إسحاق، الذي عاش في القرن التاسع، لعب دورا محوريا في تشكيل المعرفة الطبية الغربية، بفضل ترجماته لأعمال كبار الأطباء اليونانيين.

المواطن اليوم

ووفقا للورقة البحثية التي نشرتها مجلة Cogent Arts and Humanities، فقد قام الباحثون من جامعة الشارقة بتحليل وترجمة مخطوطة أصلية لحنين تحمل عنوان “في العين مائتان وسبع مسائل”، وهي رسالة مبتكرة في طب العيون صححت مفاهيم خاطئة سائدة في العصور الوسطى، وأثرت بشكل كبير في تطور الطب لاحقا.

وكتبت الرسالة على شكل أسئلة وأجوبة، وتكمل عشرة أعمال أخرى لحنين، وتعتبر مجتمعة علامة فارقة في تاريخ الطب الإسلامي والغربي. وقد وفرت هذه الأعمال تحليلا دقيقا لتشريح العين، بما في ذلك طبقاتها وأعصابها البصرية.

وأوضحت الباحثة دلال الزعبي، المعدة الرئيسية للدراسة، أن حنين بن إسحاق أثبت براعته العلمية في طب العيون، مقدما تفسيرات قائمة على الأدلة. وأكد أن الخلاف حول عدد طبقات العين كان لفظيا فقط، وليس حقيقيا، موضحا أن العين تتكون من سبع طبقات، واحدة فقط مسؤولة عن الرؤية والباقي يدعم وظيفتها. كما وصف بدقة عضلات العين ودور الدماغ في التحكم بها عبر العصب البصري.

ولم يقتصر تأثير حنين على الطب فقط، بل كان مترجما عبقريا. فقد أثرى اللغة العربية بمصطلحات طبية دقيقة ما تزال مستخدمة حتى اليوم، مثل “الشبكية” و”القرنية”. وبدلا من الترجمة الحرفية، ابتكر مصطلحات عربية تعبر عن المعنى بدقة، مثل شبكية العين لأن تركيبها يشبه شبكة الصياد، بالنظر إلى التشابك الكثيف للأوردة والشرايين المتداخلة فيها.
وكان حنين، وهو مسيحي من أهل الحيرة في العراق، يلقب بـ “شيخ المترجمين”. عمل في بيت الحكمة في بغداد، وساهم في ترجمة المخطوطات اليونانية والسريانية إلى العربية، ما حافظ على المعرفة اليونانية القديمة وسهل نقلها لاحقا إلى أوروبا.

ويعد حنين جسرا فكريا بين الطب اليوناني القديم والطب الأوروبي في العصور الوسطى. فقد اعتمدت الجامعات الأوروبية لاحقا على الترجمات اللاتينية التي نقلت عن ترجماته العربية. ويذكر على وجه الخصوص كتابه “المسائل في الطب” الذي ترجم إلى اللاتينية تحت عنوان Isagoge Johannitius وظل لقرون مرجعا تمهيديا لتعليم الطب في أوروبا.

ويصف الأستاذ مأمون صالح عبد الكريم، أستاذ الآثار والتاريخ في جامعة الشارقة، المشارك في الدراسة، حنين بأنه شخصية ذات أهمية دائمة، قائلا: “أثر حنين بن إسحاق بشكل كبير في تطور الطب الغربي. لعب دورا حاسما في ترجمة النصوص الطبية اليونانية إلى العربية، خاصة تلك الخاصة بغالينوس وأبقراط، حيث صقلها وشرحها بدقة علمية ملحوظة. لم يكن حنين مجرد ناقل للطب اليوناني، بل كان واحدا من أهم الجسور الفكرية التي ربطت المعرفة الكلاسيكية بالطب الأوروبي في العصور الوسطى”.
ويضيف الأستاذ مسعود إدريس، أستاذ الحضارة الإسلامية في جامعة الشارقة: “ترجمات حنين بن إسحاق وكتاباته الأصلية مارست تأثيرا ليس فقط داخل العالم الإسلامي ولكن أيضا في أوروبا في العصور الوسطى”. 

وأشار الأستاذ إدريس إلى أن مؤرخي الطب يولون اهتماما خاصا لكتاب حنين “المسائل في الطب” (للمتعلمين)، والذي ترجم إلى اللاتينية تحت عنوان Isagoge Johannitius. وقال: “خدم هذا النص لعدة قرون كدليل طبي تمهيدي في الجامعات الأوروبية. إن تداول أعمال حنين على نطاق واسع في العالم اللاتيني يوضح الدور المهم الذي لعبته المدرسة الطبية الإسلامية في تشكيل أسس التعليم الطبي في أوروبا”.

وخلص الأستاذ عبد الكريم إلى أن إرث حنين بن إسحاق يذكرنا بأن التقدم العلمي لم يولد من فراغ، بل نشأ من الحوار بين الحضارات. فتاريخ الطب “ليس مجرد قصة حضارة واحدة، بل هو حكاية معرفة تنتقل عبر الثقافات لتشكل العلوم العالمية.

وتتناول الدراسة إسهامات حنين في تطوير حركة الترجمة في العصر العباسي الأول، مسلطة الضوء على كيف كان رائدا لنموذج الترجمة الذي يفضي نقل المعنى الكامل للنص الأصلي بدلا من الالتزام بالممارسة السائدة للترجمة الحرفية كلمة بكلمة. وتعد هذه الدراسة هي الأولى التي تنقل مخطوطة “في العين مائتان وسبع مسائل” إلى اللغة الإنجليزية، لتفتح نافذة جديدة على عظمة هذا العالم الذي جمع بين الإتقان الطبي والعبقرية اللغوية.

عن / شبكة ار تي العربيه RT

Continue Reading

الاكثر تداولا

عدد الزوار: 5006118

Copyright © 2017 almowatenalyoum.com