Connect with us

أهم الأخبار

“اختلاس زائرة ” قصة تُنشر لأول مرة ليوسف أدريس

Published

on

قصة  لـ يوسف ادريس 

ما كاد آخرهم يخرج. ويفرغ العنبر محتوياته المكتظة كالقطار المزدحم حين يصل إلى محطة النهاية، حتى التفتت «مصمص» (وهو ليس اسم دلع ولكنه اسمها الحقيقي) إلى سكينة التفاتة حادة، وقالت بصوت عال: ـ بقى اسمعى يا..

واحتارت قليلا هل تقول لها يابت يا سكينة، أم سكينة فقط.. وسكينة كان اسمها سكينة وهى سكينة فعلا. وهو اسم قد يبدو ريفيا ولكنها لم تكن ريفية النشأة أو الملامح كانت من مدينة ما، واحدة من عشرات مدننا أنصاف الكبيرة مؤدبة جدا خجولة جدا ورقيقة أيضا. وكانت تحتل السرير المجاور لمصمص المرأة الضخمة الكبيرة الصدر والثديين التى يميل لونها إلى السمرة، ودائما ترتدى قميص نوم أبيض.

والسريران كانا فى عنبر واحد من العنابر الكبيرة التى تحفل بها مستشفياتنا العامة والمركزية والجامعية والصدرية، العنبر المعهود ذو الإثنين والعشرين سريرا.. عنبر الحريم يسمونه.. له تومرجية سليطة اللسان ومنفوخة الجسد مكورة كالبطة وتومرجى أعمش مفروض ألا يدخل العنبر وان يقتصر عمله على المطبخ ودورة المياه، ولكن أحدا لم يعلن يوما هذا المفروض وأحدا لم ينفذه.

وكانت سكينة الضعيفة الرقيقة الحنونة التى تحس إذا أطلت النظر اليها أو عمقته أن هناك فعلا أناسا ضعفاء محتاجون إلى الشفقة، كانت مريضة بمرض مزمن ولها فى المستشفى ثلاثة أشهر وأمنيتها الكبرى أن تغادره وتخرج، ولكنهم لا يخرجونها ولا يصرحون لها بالخروج ولا يفعلون هذا بعنف أو بحزم كما قد يعتقد البعض، أنهم يفعلونه بأنصاف الابتسامات أحيانا وبهز الرءوس والطبطبة أحيانا أخرى… وأحيانا بمجرد القول: حالا.. إن شاء الله تخرجى.. أما سبب بقائها أو إبقائها فهو أن مرضها من نوع غريب يحلو للأستاذ أن يحاضر طلبته وأطباءه، الصغار عليه.. وأن يريه لزملائه الكبار كما لو كان يريهم قطعة نادرة ضمن مجموعة أصداف أو طوابع بريد يقتنيها..

وسكينة لم تكن مقطوعة من شجرة.. كان لها إخوة. فى الحقيقة أخ غير شقيق وأختان. كان لها خالات وعمات وقريبات كأى إنسان منا وكل انسان. ولكن رغم هذا كله فلم يكن لها زوار بالمرة. طوال الأشهر الثلاثة التى مكثتها بالمستشفى لم يزرها أحد.. من يوم أن أتى بها أخوها وأودعها العنبر، لم تر وجهه. تلك حقيقة تعرفها هى.. ويعرفها الجميع حتى التومرجية السليطة اللسان تعرفها.. ومشكلة الخروج تلح على سكينة فى أحيان كشيء لابد منه ولابد من حدوثه ولابد أن تكلم الطبيب الكبير بشأنه، ولكن مشكلتها الأكثر حدة فى الواقع أن يزورها أحد.. أن تغمض عينيها وتفتحهما فتجد يدا توقظها من النوم أو الغفوة وتقول لها قومى يا سكينة.. جالك زوار..

طوال أيام الجمع والإثنين والحقيقة طوال أيام الأسبوع يفد العشرات والمئات والآلاف على المستشفى ويوزعون على عنابره ثم على أسرته وقد يخص كل سرير زائر أو خمسة أو عشرة.. ما عدا سريرها هى لم يكن يهوب ناحيته أحد، أو للدقة كان زوار جاراتها يتخذون سريرها كأريكة يجلسون عليها وهى من خجلها لا تعارض أو تأتى بحركة تسبب حرجا لأحد. كانت تغادر الفراش نهائيا وتذهب تتمشى فى الطرقة أو تخرج إلى شرفة العنبر القذرة، هناك حيث تتخذ مستودعا لأكوام الزبالة وقشر البرتقال والموز واليوسفندى الآتى لابد من كل زيارة.

وهناك.. فى تمشيها هذا كانت سكينة تحزن وتنقبض وتحس أنها مظلومة وانه لابد ثمة خطأ فى الكون جعلها تبقى بغير زوار.. وأن أخاها بإستطاعته أن يخطئ مرة ويزورها وكم زارت هى أخوتها وبنات خالاتها وكان واجبهم فى هذه الحالة أن يردوا الزيارة. ماذا حدث حتى جمدت قلوبهم، وقساها؟ ماذا حدث حتى نسيها الجميع هكذا ونسوا أنها فى المستشفى، ماذا حدث حتى تنقطع صلتها هكذا بعائلتها وأقربائها وحتى بصديقتها وبالدنيا كلها؟ لم تكن تدرى.. حتى مجرد إرسال خطاب.. ما أرسل لها أحد خطابا أو بعث بسلام..

إحساس لم يكن يشاركها فيه أحد.. كان أعمق أعماق قلبها هى التى تكتئب وتحزن فقط.. أما كل ما على السطح من وجه وملامح فقد كان يلتف دائما بإبتسامة لا فرق بينها وبين مئزر الصوف الذى تتلفح به..

وطالت المدة ثلاثة أشهر وأربعة وخمسة، والمرضى يتغير معظمهم حتى لم يبق من القدامى سوى جارتها مصمص والوضع على ماهو عليه، وضع عجيب غريب، فهى صحيح ضيقة بالمستشفى والبقاء فيه تريد بشق النفس ان تخرج وتغادره. ولكنها فى نفس الوقت، واذا ما سألت نفسها: لاتعرف ابدا لم وأنى أين تذهب وماذا بالضبط ستفعل… لقد كانت قبل دخولها تحيا مع اخيها تخدمه فى انتظار ان يتزوج هو أو يأتيها هى عريس، ولكنها مرضت وكانت تقضى الليل كله تنهج وتكح حتى ضاق بها الاخ وانتهز اول فرصة وأدخلها المستشفى ربما كى لاتعالج بقدر ما يتخلص منها ومن حشرجات انفاسها. بل انها سمعت انه بعد دخولها المستشفى تزوج وعزل من البيت…. وشقيقاتها كلهن متزوجات، وهى ليست جميلة حتى يرحب بها زوج أى اخت بل لقد ذبلت وكبرت حتى على الزواج فإلى من تذهب والى اين؟

وضع غريب، فهى ضيقة بالمستشفى ضيقا لاحد له ومستسلمة لهذا الضيق والحياة فى المستشفى استسلام لاحد له ايضا كالسجين الذى يتوق الى الخروج من السجن الى الحياة والحرية ولكنه حين يجد انه اذا خرج فلن يعرف ماذا ولا كيف يفعل بحريته تلك، يستسلم للسجن. يضيق به ويستسلم له ويكاد يجن بين الضغطين.

ولم تأت المسألة فجأة… بل والى الآن لم تفكر فيها سكينة تفكيرا جديا او تدبرت ما فعلت. ولكنها هكذا جاءت…. مصمص كانت زوجة أحد المعلمين الكبار الذين لايقل عدد اقربائهم وانسبائهم واولادهم ونسائهم وبناتهم عن المئات بأى حال من الاحوال، ولهذا كان لايمر يوم دون ان يزور مصمص لا اقل من خمسة او ستة زوار. ويوم العطلات والاعياد يرتفع الرقم حتى يكاد يصل الى الخمسين… وكان يبدو على مصمص انها فى الوقت الذى تعتب فيه على فلانة الفلانية لانها لم تزرها ما يكاد الزوار يغادرونها حتى تلهث تعبا وحتى تغمغم ببرطمة لايفهم منها سوى الضيق الشديد بالزيارة والزوار، والمسألة بدأت بأن راحت سكينة تسأل مصمص عن الزوار اذا قدموا، من هم وماهى درجة قرباهم لها. وماذا يشتغلون ولم يكن الامر مجرد سؤال.. دأبت سكينة على ملاحظتهم بدقة ومعرفتهم بالاسم حتى لتطفح السعادة من وجهها حين تقول لمصمص بعد خروج زائر..

ـ مش ده كان مصطفى ابن خالتك اللى بيشتغل فى السكة الحديد..

فتبهت مصمص وتقول:

ـ الله… وانتى ايه اللى عرفك؟

حينئذ تحس سكينة الناحلة الهادئة الساكنة بسعادة داخلية لاحد لها.. غير معقول بالمرة او مقبول فقد اصبحت لمجرد انها عرفت من الزائر وخمنته وجاء تخمينها بالضبط مطابقا للحقيقة.

ولكن هذه السعادة، بالتكرار. لم تعد تحدث ووجدت سكينة نفسها مدفوعة الى خطوة اخرى كى تحس بنفس سعادتها السابقة. فبدأت تقدم مساعدات وتسرع مثلا وتحضر كراسى لزوار مصمص او اذا ارادت الاخيرة أن تعزم عليهم بالقهوة او الشاى او الكازوزة اسرعت سكينة الى البوفيه.. وتحضر الطلبات بنفسها.. وكانت مصمص تأخذ الامر فى اوله باعتبار انه نوع من الطيبة من سكينة لا أكثر، ولكنها بدأت تعجب فعلا وقد راحت سكينة تقوم باعمال غير معقولة ابدا تأخذ الاطفال من الامهات الزائرات وتداديهم او تذهب بهم الى دورة المياه، وتلعب مع الابناء الكبار وتقول لهذا الزائر.. والنبى وحياتك ابقى سلم لى على فلانة وفلان وكأنهم اقرباؤها هى..

بدأت مصمص تستعجب، مصمص لم تكن سهلة ولا طيبة ولا سكينة ابدا، انها جهنم الحمراء، اذا انفتحت واذا رأت فى الامر مايريب.. وكانت سكينة قد زودتها فى نظرها كثيرا وبشكل اصبح لا تفسير له ولاتبرير، تجلس مع الاقرباء والاصهار طوال الزيارة ولاتغادرهم للحظة وكأنها منهم وعليهم يتحدثون عن ادق امورهم العائلية الخاصة فلا تخجل ولاتبتعد بل اكثر من هذا تهتم بها وتناقشها مناقشة المتحمس الغيور، وتبدى الآراء ايضا… وتنتظر مصمص على آخر من الجمر أن «تحس» سكينة مرة فتقوم او تغادر الفرش او على الاقل تولى انتباهها الى الناحية الاخرى بلا فائدة، اذ كانت سكينة لاتفعل شيئا من هذا ابدا، بل تظل طوال الجلسة بكاملها وبعد الجلسة أيضا تتحدث وتعقب وتحاول أن تدخل مع مصمص فى اخص الشئون وفى «الغويط». ومصمص. تكظم وتكظم.. فصحيح ان سكينة تتدخل ولكنها تفعل هذا وهى راقدة فى نفس فراشها لا تغادره. وبالعكس ان زوارها هم الذين يجلسون على فراش سكينة وبهذا يعطونها الفرصة للاندماج والتدخل..

بل تطور الامر الى ماهو اكثر وبدأت سكينة تقتنص زائرا او زائرة من الجالسين على فراشها وتنخرط فى حديث لا ينقطع معه او معها بحيث تنتهى الزيارة وهم لم يتبادلوا كلمة واحدة مع قريبتهم مصمص وكأنهم جاءوا لزيارة سكينة اصلا..

ولقد تكرر الامر مرة ومرة ومصمص صابرة تكظم الى ان كان هذا اليوم الذى قررت ان تنفجر فيه. وهكذا ما كاد آخر زائر فى يوم الزيارة يخرج ويفرغ العنبر محتوياته المكتظة كقطار وصل الى محطة النهاية حتى التفتت مصمص الى سكينة التفاتة حادة.. وقالت بصوت بالغ العلو..

ـ بقى اسمعى يا..

واحتارت قليلا.. انقطع العشم والعلاقة والعيش والملح مرة واحدة وتقول يابت ياسكينة، ام تكتفى بنهرها وتقول يا سكينة فقط، فاذا قالت لها ياسكينة فكيف تستطيع ان تصب عليها بهذه البداية ما يتفجر به صدرها الضخم العالى الاسمر من غضب وضيق، احتارت مصمص وكالبندقية صوبت عينيها الى سكينة وكأنما لتزيد برؤيتها لها جرأتها وعنف انفجارها.. كانت قد قررت ان توقفها عند حدها وان تنذرها بانها اذا استمرت فى اقتناص زائر او اكثر من زوارها هكذا فسوف تمرمط الارض بزوارها… زوار سكينة اذا جاءوا والعين بالعين والسن بالسن والبادى أظلم..

صوبت مصمص عينيها الى سكينة لتجدها راقدة فى سريرها نصف مغطاة الجسد تحملق امامها كمن يجتر ذكرى ذكرى، لحظة سعيدة مرت.. وفجأة اكتشفت مصمص الجهنمية ان تهديدها الذى يكاد يفلت من فمها لا معنى له بالمرة… اجل هكذا. فى ومضة مفاجئة اكتشفت مصمص ان سكينة لا يأتيها زوار ولاينتظر ان يأتيها احد.. وهكذا بعد ان كانت قد استدارت واستدار السرير لاستدارتها وقالت بقى اسمعى يا..

وحين التفتت سكينة بدهشة ونوع من الذعر تسأل: نعم ياست مصمص.. لم تغير مصمص رقدتها ولا رفعت عينيها عن وجه سكينة.. كل ما فى الامر ان صوتها انخفض حتى كان لايسمع..

وقالت:

ـ لاه.. ولاحاجة.. ده كلمة كده وعدت..

قالت هذا وهى ترمق الفتاة بعينين مشتتين فوق وجهها، ويكاد تفر منهما الدمع..

وظلت مثبتة عينيها فوق وجه سكينة لاترفعهما وكأنها تراها لاول مرة… رفيعة نحيلة مقطوعة من شجرة.

عن الاهرام 

Continue Reading
Click to comment

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أهم الأخبار

سمو محافظ الأحساء يستقبل قيادات التعليم ويكرّم الفائزين بالجوائز المحلية والدولية

Published

on

المواطن اليوم /

استقبل صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن طلال بن بدر محافظ الأحساء ، بمقر المحافظة ، أمس ” الثلاثاء ” مدير عام الإدارة العامة للتعليم بالأحساء طواشي بن يوسف الكناني، وعددًا من القيادات التعليمية ومديري ومديرات المدارس، وذلك في إطار دعم مسيرة التعليم وتعزيز منجزاته

وأشاد سمو محافظ الأحساء بما يحظى به قطاع التعليم ومنسوبوه من رعاية واهتمام ودعم من القيادة الرشيدة –حفظها الله– مؤكدًا أن الاستثمار في الإنسان يُعد أحد أهم أولويات الدولة، وأن قطاع التعليم يمثل ركيزة أساسية في بناء الأجيال، انسجامًا مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 التي أولت التعليم اهتمامًا كبيرًا باعتباره محورًا رئيسًا في التنمية وبناء الإنسان، معربًا عن اعتزازه بما يحققه تعليم الأحساء من إنجازات نوعية على المستويين المحلي والدولي، مشيرًا إلى أن هذه المنجزات تعكس تكامل الجهود والعمل الجاد من قبل القيادات التعليمية والمعلمين والمعلمات، إضافة إلى ما وفرته الدولة من إمكانات أسهمت في تطوير البيئة التعليمية

وشاهد سموّه والحضور عرضًا مرئيًا بعنوان “إنجازات وتطلعات”، استعرض أبرز منجزات إدارة التعليم وخططها المستقبلية، حيث حصل تعليم الأحساء على المركز الأول بنسبة (100%) على مستوى إدارات التعليم، في انضباط الطلاب ورصد الغياب خلال شهر رمضان المبارك، وحقق طلاب المحافظة المركز الثالث في مجال العلوم، والمركز الرابع في مجال الرياضيات على مستوى المملكة ، وتم اكتشاف (2296) طالبًا وطالبة موهوبة اجتازوا مقياس موهبة، وحصل الطلاب على (15) ميدالية في مسابقة كاوست للرياضيات، كما تم ترشيح (6) طلاب في مسابقة إبداع 2026 لتمثيل المملكة في المحافل العالمية ، وحقق (135) طالبًا وطالبة ميداليات في مسابقة بيبراس المعلوماتية، وحصد (5) طلاب جوائز في معرض سيئول الدولي للاختراعات ، كما بدأ العمل لإنشاء صالتين رياضيتين بسعة طلابية بلغت (900) طالبة، وإنشاء (6) ملاعب عشبية بسعة طلابية بلغت (1524) طالبًا وطالبة. كما يجري تنفيذ (3) مشاريع إنشائية لمبانٍ مدرسية بسعة طلابية تبلغ (1800) طالب وطالبة، وتم توقيع عقود (7) مشاريع مدرسية جديدة، بسعة (4080) طالبًا وطالبة ، إضافة إلى ترميم (32) مبنى مدرسيًا ضمن أعمال الصيانة الطارئة، مع استمرار العمل على ترميم (18) مبنى مدرسيًا آخر

وقدم الكناني الشكر والتقدير للقيادة الرشيدة – حفظها الله – على ما توليه من دعم مستمر للتعليم، مؤكدًا أن اهتمام ومتابعة سمو محافظ الأحساء كان لهما أثر كبير في تحقيق إنجازات الإدارة خلال العام الدراسي الحالي 1447هـ

وفي ختام اللقاء كرّم سمو محافظ الأحساء المدارس والمعلمين والمعلمات الفائزين بجوائز محلية ودولية خلال العام الدراسي الحالي 1447هـ، تقديرًا لتميزهم وإسهاماتهم في رفع اسم المحافظة في المحافل التعليمية المختلفة .

Continue Reading

أهم الأخبار

الصين بعد الذكاء الاصطناعي: من “مصنع العالم” إلى “عقل العالم”

Published

on

المواطن اليوم

بقلم : وارف قميحة، رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث، رئيس الرابطة العربية الصينية للحوار والتواصل

لم يعد توصيف الصين كـ”مصنع العالم” كافيًا لفهم موقعها في الاقتصاد الدولي. فخلال العقدين الماضيين، تحوّل هذا الدور تدريجيًا من الاعتماد على العمالة منخفضة الكلفة إلى الاستثمار المكثف في التكنولوجيا، والبحث العلمي، والابتكار. واليوم، مع تسارع تطور الذكاء الاصطناعي، تدخل الصين مرحلة جديدة تسعى فيها إلى أن تكون ليس فقط مركزًا للإنتاج، بل مركزًا للمعرفة.

هذا التحول ليس طارئا، بل نتيجة سياسات طويلة الأمد. فقد وضعت بكين منذ سنوات أهدافا واضحة ضمن خططها التنموية، أبرزها مبادرة “صنع في الصين 2025” (Made in China 2025)، التي ركزت على نقل الاقتصاد من الصناعات التقليدية إلى الصناعات المتقدمة، مثل الروبوتات، وأشباه الموصلات، والتقنيات الرقمية. كما دعمت الحكومة هذا التوجه من خلال استثمارات كبيرة في البحث والتطوير، حيث تجاوز إنفاق الصين على البحث والتطوير، وفق أحدث البيانات (2025)، 3.9 تريليون يوان (نحو 570 مليار دولار)، ما يضعها ضمن أكبر الدول إنفاقًا عالميًا في هذا المجال.

في سياق الذكاء الاصطناعي تحديدًا، أطلقت الصين خطة وطنية عام 2017 تهدف إلى أن تصبح رائدة عالميًا في هذا القطاع بحلول 2030. ومنذ ذلك الحين، شهدت البلاد توسعًا كبيرًا في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، سواء في الصناعة، أو الخدمات، أو الإدارة الحكومية.

وهنا لا يتعلق الأمر بمجرد سباق تكنولوجي، بل بإعادة تعريف موقع الدولة في الاقتصاد العالمي—من منتج للتقنيات إلى صانع لمنطقها.

تلعب شركات التكنولوجيا الكبرى دورًا محوريًا في هذا التحول، مثل Baidu في تطوير نماذج اللغة والقيادة الذاتية، وAlibaba في الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي التجاري، وTencent في تطبيقات البيانات الضخمة والمنصات الرقمية. هذه الشركات لا تعمل بمعزل عن الدولة، بل ضمن بيئة تنسيق تجمع بين القطاعين العام والخاص، وهو نموذج يميز التجربة الصينية.

فالعلاقة هنا ليست فصلًا بين سوق ودولة، بل تكاملًا يهدف إلى تسريع التحول وضبط اتجاهه في آن واحد.

في الوقت نفسه، تستفيد الصين من حجم سوقها الداخلي، الذي يضم أكثر من مليار وأربعمئة مليون نسمة، ويوفر كميات هائلة من البيانات، تُعد عنصرًا أساسيًا في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي. كما أن انتشار البنية التحتية الرقمية، واعتماد التقنيات الحديثة في الحياة اليومية، من الدفع الإلكتروني إلى المدن الذكية، يسرّع من وتيرة هذا التحول.

وتشير بيانات (2025) إلى أن عدد مستخدمي تقنيات الذكاء الاصطناعي في الصين تجاوز 500 مليون مستخدم، ما يعكس انتقال هذه التكنولوجيا من المختبر إلى الاستخدام الواسع في المجتمع والاقتصاد.

وهذا ما يمنح الصين ميزة يصعب استنساخها: بيئة اختبار واسعة، وسريعة، ومتصلة مباشرة بالاستخدام الفعلي.

غير أن هذا المسار لا يخلو من تحديات. فالصين لا تزال تواجه قيودًا في بعض المجالات الحساسة، خاصة في صناعة أشباه الموصلات المتقدمة، حيث تعتمد جزئيًا على التكنولوجيا الخارجية. كما أن المنافسة مع الولايات المتحدة في مجال الذكاء الاصطناعي تزداد حدة، ما يضيف بعدًا جيوسياسيًا لهذا التحول التكنولوجي.

فالذكاء الاصطناعي لم يعد قطاعًا اقتصاديًا فقط، بل أصبح أداة سيادة، تعاد من خلالها صياغة موازين القوة.

إلى جانب ذلك، تطرح هذه التحولات تحديات داخلية تتعلق بالتنظيم، وحماية البيانات، وتأثير الأتمتة على سوق العمل. وقد بدأت الصين بالفعل في وضع أطر تنظيمية لهذه التقنيات، في محاولة لتحقيق توازن بين الابتكار والرقابة، وهو توازن دقيق سيحدد مسار هذا التحول في السنوات المقبلة.

في هذا السياق، يبرز طرح صيني أوسع يرتبط بمفاهيم مثل “التنمية عالية الجودة” و”الابتكار كقوة دافعة أولى”، وهي مفاهيم أساسية في خطاب الرئيس شي جين بينغ، الذي أكد مرارًا أن التكنولوجيا ستكون محور التنافس الدولي في المرحلة المقبلة.وهنا، لا تنافس الصين على التكنولوجيا بحد ذاتها، بل على من يملك تعريفها، ومن يضع معايير استخدامها عالميًا.

بناءً على ذلك، فإن انتقال الصين من “مصنع العالم” إلى ما يمكن وصفه بـ”عقل العالم” ليس مجرد تغيير في النشاط الاقتصادي، بل تحول في موقعها ضمن سلسلة القيمة العالمية. فبدل الاكتفاء بالإنتاج، تسعى الصين إلى التحكم في المعرفة، والتصميم، والتكنولوجيا-وهي العناصر التي تحدد القيمة الحقيقية في الاقتصاد الحديث.

ومع أن هذا التحول لا يزال قيد التشكّل، إلا أن مؤشراته واضحة. فالصين لم تعد فقط منصة للتصنيع، بل أصبحت لاعبًا رئيسيًا في صياغة مستقبل التكنولوجيا، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي.

أما عربيًا، فإن هذا التحول يضع المنطقة أمام مفترق واضح. فالدول العربية، التي ارتبطت بالصين لعقود كشريك تجاري ومصدر للاستثمار والبنية التحتية، تجد نفسها اليوم أمام شريك يتغير في جوهره. لم تعد العلاقة مع بكين محصورة في الموانئ والطرق والطاقة، بل باتت تمتد إلى التكنولوجيا، والبيانات، والاقتصاد الرقمي.

وهنا يكمن التحدي الحقيقي:هل ستبقى الدول العربية مستهلكًا للتكنولوجيا، أم ستتحول إلى شريك في إنتاجها؟

فالدخول في عصر الذكاء الاصطناعي لا يمر فقط عبر استيراد الحلول، بل عبر بناء القدرات المحلية، والاستثمار في التعليم، وتطوير بيئات تشريعية تسمح بالابتكار. والصين، بنموذجها الحالي، تقدم فرصة، لكنها في الوقت نفسه تفرض واقعًا جديدًا: من لا يواكب، يبقى خارج معادلة القيمة.

المسألة لم تعد قدرة الصين على اللحاق، بل قدرة الآخرين-ومنهم العالم العربي-على فهم هذا التحول والتعامل معه.

Continue Reading

أهم الأخبار

طبيب عربي من العصور الوسطى صحح تشريح العين وغير مسار الطب في أوروبا

Published

on

كشفت دراسة حديثة أن الطبيب والعالم العربي حنين بن إسحاق، الذي عاش في القرن التاسع، لعب دورا محوريا في تشكيل المعرفة الطبية الغربية، بفضل ترجماته لأعمال كبار الأطباء اليونانيين.

المواطن اليوم

ووفقا للورقة البحثية التي نشرتها مجلة Cogent Arts and Humanities، فقد قام الباحثون من جامعة الشارقة بتحليل وترجمة مخطوطة أصلية لحنين تحمل عنوان “في العين مائتان وسبع مسائل”، وهي رسالة مبتكرة في طب العيون صححت مفاهيم خاطئة سائدة في العصور الوسطى، وأثرت بشكل كبير في تطور الطب لاحقا.

وكتبت الرسالة على شكل أسئلة وأجوبة، وتكمل عشرة أعمال أخرى لحنين، وتعتبر مجتمعة علامة فارقة في تاريخ الطب الإسلامي والغربي. وقد وفرت هذه الأعمال تحليلا دقيقا لتشريح العين، بما في ذلك طبقاتها وأعصابها البصرية.

وأوضحت الباحثة دلال الزعبي، المعدة الرئيسية للدراسة، أن حنين بن إسحاق أثبت براعته العلمية في طب العيون، مقدما تفسيرات قائمة على الأدلة. وأكد أن الخلاف حول عدد طبقات العين كان لفظيا فقط، وليس حقيقيا، موضحا أن العين تتكون من سبع طبقات، واحدة فقط مسؤولة عن الرؤية والباقي يدعم وظيفتها. كما وصف بدقة عضلات العين ودور الدماغ في التحكم بها عبر العصب البصري.

ولم يقتصر تأثير حنين على الطب فقط، بل كان مترجما عبقريا. فقد أثرى اللغة العربية بمصطلحات طبية دقيقة ما تزال مستخدمة حتى اليوم، مثل “الشبكية” و”القرنية”. وبدلا من الترجمة الحرفية، ابتكر مصطلحات عربية تعبر عن المعنى بدقة، مثل شبكية العين لأن تركيبها يشبه شبكة الصياد، بالنظر إلى التشابك الكثيف للأوردة والشرايين المتداخلة فيها.
وكان حنين، وهو مسيحي من أهل الحيرة في العراق، يلقب بـ “شيخ المترجمين”. عمل في بيت الحكمة في بغداد، وساهم في ترجمة المخطوطات اليونانية والسريانية إلى العربية، ما حافظ على المعرفة اليونانية القديمة وسهل نقلها لاحقا إلى أوروبا.

ويعد حنين جسرا فكريا بين الطب اليوناني القديم والطب الأوروبي في العصور الوسطى. فقد اعتمدت الجامعات الأوروبية لاحقا على الترجمات اللاتينية التي نقلت عن ترجماته العربية. ويذكر على وجه الخصوص كتابه “المسائل في الطب” الذي ترجم إلى اللاتينية تحت عنوان Isagoge Johannitius وظل لقرون مرجعا تمهيديا لتعليم الطب في أوروبا.

ويصف الأستاذ مأمون صالح عبد الكريم، أستاذ الآثار والتاريخ في جامعة الشارقة، المشارك في الدراسة، حنين بأنه شخصية ذات أهمية دائمة، قائلا: “أثر حنين بن إسحاق بشكل كبير في تطور الطب الغربي. لعب دورا حاسما في ترجمة النصوص الطبية اليونانية إلى العربية، خاصة تلك الخاصة بغالينوس وأبقراط، حيث صقلها وشرحها بدقة علمية ملحوظة. لم يكن حنين مجرد ناقل للطب اليوناني، بل كان واحدا من أهم الجسور الفكرية التي ربطت المعرفة الكلاسيكية بالطب الأوروبي في العصور الوسطى”.
ويضيف الأستاذ مسعود إدريس، أستاذ الحضارة الإسلامية في جامعة الشارقة: “ترجمات حنين بن إسحاق وكتاباته الأصلية مارست تأثيرا ليس فقط داخل العالم الإسلامي ولكن أيضا في أوروبا في العصور الوسطى”. 

وأشار الأستاذ إدريس إلى أن مؤرخي الطب يولون اهتماما خاصا لكتاب حنين “المسائل في الطب” (للمتعلمين)، والذي ترجم إلى اللاتينية تحت عنوان Isagoge Johannitius. وقال: “خدم هذا النص لعدة قرون كدليل طبي تمهيدي في الجامعات الأوروبية. إن تداول أعمال حنين على نطاق واسع في العالم اللاتيني يوضح الدور المهم الذي لعبته المدرسة الطبية الإسلامية في تشكيل أسس التعليم الطبي في أوروبا”.

وخلص الأستاذ عبد الكريم إلى أن إرث حنين بن إسحاق يذكرنا بأن التقدم العلمي لم يولد من فراغ، بل نشأ من الحوار بين الحضارات. فتاريخ الطب “ليس مجرد قصة حضارة واحدة، بل هو حكاية معرفة تنتقل عبر الثقافات لتشكل العلوم العالمية.

وتتناول الدراسة إسهامات حنين في تطوير حركة الترجمة في العصر العباسي الأول، مسلطة الضوء على كيف كان رائدا لنموذج الترجمة الذي يفضي نقل المعنى الكامل للنص الأصلي بدلا من الالتزام بالممارسة السائدة للترجمة الحرفية كلمة بكلمة. وتعد هذه الدراسة هي الأولى التي تنقل مخطوطة “في العين مائتان وسبع مسائل” إلى اللغة الإنجليزية، لتفتح نافذة جديدة على عظمة هذا العالم الذي جمع بين الإتقان الطبي والعبقرية اللغوية.

عن / شبكة ار تي العربيه RT

Continue Reading

الاكثر تداولا

عدد الزوار: 5008825

Copyright © 2017 almowatenalyoum.com