Connect with us

أهم الأخبار

التعايشُ مِن سنن الله في الخلق

Published

on

قيس

د. قيس المبارك

عاش المسلمون في المدينة المنورة، تحيط بهم قبائل العرب، بما هي عليه من عصبياتٍ مستحكِمةٍ واعتقاداتٍ خرافية راسخةٍ في عقولهم، وعاداتٍ متأصلةٍ، وكان المسلمون يمثِلون أمة مستقلة، ذات سلوكٍ أخلاقيٍ متميِز، وخصوصيةٍ ثقافية مستقلة، وكانوا مع ذلك منفتحين على غيرهم من الأمم، الكتابية منها وغير الكتابية، غير منغلقين ولا متقوقعين على أنفسهم، وكان اليهود يسكنون بين أظهرهم في المدينة المنورة، واليهود أهلُ كتاب، فكانوا يقرؤون ويكتبون، فلديهم علم وثقافة مقارنة بالعرب، فكانوا يشعرون بالاستعلاء على سائر من يحيط بهم مِن العرب، فقد كان الرجلان من الأوس أو الخزرج إذا تنازعا في قضية، يحتكمان إلى الطبقة المثقفة وهي اليهود، وكانت لليهود كذلك غلبة اقتصادية، وهي سلاح للهيمنة الفكرية، وكانوا يخالطون المسلمين في الطرقات والبساتين والأسواق والمنتديات، أخذا وعطاء وبيعا وشراء، حتى إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- توفِي ودِرعُهُ مرهونة عند يهودي، كل ذلك لم يمنع المسلمين من التعايش معهم، ولم يُبِح للمسلمين أن ينقضُوا على أموال اليهود بالسلب، ولا على أعراضهم بالثلب، فقد كان الصحابة يدركون أنهم ليسوا نقمة على أحدٍ، وأنهم رحمة للناس، فلم تكن صدورهم مشحونة بالحقد على الخلق، بل كانت تفيضُ شفقة ورحمة للناس، كيف ورسولُهم عليه الصلاة والسلام رحمة للعالمين، فلا تجد عند المسلمين هِياجا ولا تشنُجا تجاه غيرهم من اليهود ومشركي العرب الذين كادوا ويكيدون المكائد، بل كانوا يصِلونهم، فقد أهدى سيدُنا عمر رضي الله عنه إلى أخٍ له كافرٍ حُلة مِن حرير، بل إن البر والصِلة بالوالدين المشركين واجب، وهو وصيةُ الله: (ووصينا الإِنسان بِوالِديهِ حُسنا) وقال سبحانه: (وإِن جاهداك على أن تُشرِك بِي ما ليس لك بِهِ عِلم فلا تُطِعهُما، وصاحِبهُما فِي الدُنيا معرُوفا) فحين سألت أسماءُ بنت أبي بكر رضي الله عنهما النبِي صلى الله عليه وسلم عن والدتها الكافرة: (أأصِلُها؟) قال: (نعم) فلا غرابة أن نجد الصحابة الكرام لم يمنعوا اليهود مِن البقاء على يهوديتهم وأعرافهم وعوائدِهم الاجتماعية، بل كانت المدينةُ المنورةُ مفتوحة لسائر المحيطين بها، فتراهم يدخلون المدينة بأموالهم ويعرضون سِلعهم للبيع ويستبدلونها بسِلعٍ أخرى، ويعودون إلى بلادهم من غير نكير ولا اعتراض، وكانت الوفودُ تفِدُ على رسول الله – صلى الله عليه وسلم- بالمدينة فيستقبلُهم ويُدنيهم إليه، ويعطي كبيرهم وسيِدهم حقه، فيُنزلُه المنزل اللائق به، وربما استقبلهم داخل المسجد، كما فعل مع وفد ثقيف، وهكذا كان شأنُ الخليةِ الأولى لأمِتنا، حيث لم تشتعل جذوتُها ولم يشتد أُوارها خارج نفق التعايش، بل كانت الأفكارُ الشاذةُ تعصف بها من كل صوب، بتيارات فكريةٍ جاهليةٍ مناقضةٍ لها، إن الذي هيأ لهذه الأمةِ الحفاظ على استقلالها، أن لها كيانا مستقلا تتشخصُ فيه ذاتيتُها، ولها معالمُ واضحة تنضبط بها حدودُها، فكانت هذه الضوابطُ والحدودُ المرسومةُ بمنزلة السياجِ الذي تتحصنُ فيه، وتتمثل هذه المعالم في عقيدةٍ تبني تصورا صحيحا، وعاطفة وجدانية تخدم ذلك التصور العقلي، وشريعة ترسم مِنهاجا حياتيا وفق فطرة الإنسان، فالعقيدة كانت واضحة في الأذهان، ارتضاها المسلمون سلطانا يحكم تصوُراتِهم، وهذا أمر واضح وجلي باعتبار أن مصدرها خالقُ الإنسان والمكوناتِ التي تطوف من حوله، ولذلك تجد جميع مسائل العقيدة الإسلامية مما تقبله العقول الصحيحة، فهي خطاب لأولي العقولِ، والنُصوصُ الآمرةُ بالتدبُر والتفكُر والنظر في آيات الله كثيرة، أما العاطفة فهي أن يكون هوى القلبِِ انعكاسا لما يُقرِرُه نداءُ العقل، فتصير تصرُفاتُ الإنسان موافقة لما تدلُ عليه الشريعة، لا لما تنزع إليه النفوسُ مما ينافرُ فطرتها ويُضادُ الطِباع من الشهوات الفاسدة والأهواء الشاذة، التي تورثُ التغيُر والاضطراب والنُفور، كما قال ابن الحسين:

(وأسرعُ مفعولٍ فعلت تغيُرا *** تكلُفُ شيءٍ في طباعك ضدُه)

أما الشريعة فهي السِكةُ التي تهدي الناس لضبط تصرفاتهم الحياتيةِ، وأمورِهم المعاشية، وِفق مِنهاجٍ بيِن ميسورِ التطبيق، تندفع بسببه أسبابُ الخصومات والمنازعاتِ بين الناس، وقد عُلم بالاستقراء أن أحكام الشريعة الإسلامية دائرة حول رعاية مصالح الناس، وهذه المصالحُ التي جاءت من أجلها الشرائع السماويةُ، تحصل بحفظ خمسةِ مقاصد ذكرها العلماء، أعلاها حفظُ الدين ويليه حفظُ النفس فالعقلِ فالنسلِ فالمال، إذا تبين لنا ذلك أدركنا أن فرارنا من التعايش بالبقاء على هامش الدول والشعوب، أحطُ مرتبة وأدنى درجة من الذوبان في النظام العالمي، كيف والحال أننا نملك ما يعصمنا من الذوبان في المجتمعات الأخرى، فدينُنا يدفع المجتمعات الأخرى للأخذ به والانقياد له، لأننا نملك قيما وأفكارا صحيحة وواضحة ومنضبطة المعالم، فعلينا التنوُر وتتبُع الحكمة متى وُجدت ومن أيِ مكان أقبلت، ومقارعةِ الفكر بالفكر، إن الثمرة المرجوة من التعايش لن تكون سيطرة النموذجِ الشاذِ والمنحرف، وإنما ستكون بإذن الله انفتاحُ العالم واتصال بعضه ببعض، لينقاد الناسُ لدين الله، فالدِين الخالص هو الذي يتوافق مع مقتضيات العلم، ويرفض الخرافة والجهل، لأنه من عند الله، وهو سبحانه أدرى بما خلق: (ألا يعلمُ من خلق وهُو اللطِيفُ الخبِيرُ) وهذه الثمرةُ هي عمارةُ الأرض التي مِن أجلها أنزل الُله الكتب وأرسل الرسل، وهي قوله سبحانه: (إِنِي جاعِل فِي الأرضِ خلِيفة)./ وفقا لليوم

Continue Reading
Click to comment

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أهم الأخبار

سمو محافظ الأحساء يستقبل رئيس قطاع المجاهدين بالمحافظة

Published

on

المواطن اليوم /

استقبل صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن طلال بن بدر محافظ الأحساء ، بمكتب سموّه بمقر المحافظة ، اليوم ” الأحد ” ، الأستاذ عبدالله بن خالد العرجاني، بمناسبة تعيينه رئيسًا لقطاع المجاهدين في المحافظة

وأشاد سمو محافظ الأحساء بالدور الحيوي الذي تقوم به إدارة المجاهدين في تعزيز الأمن والاستقرار بالمحافظة، منوّهًا بما توليه القيادة الرشيدة -حفظها الله- من دعم واهتمام مستمر بجميع القطاعات الأمنية

وشدّد سموّه على أهمية التنسيق والتكامل بين جميع الجهات الأمنية لرفع مستوى الجاهزية وتحقيق أفضل خدمة للمجتمع، بما يضمن أداء المهام بكفاءة عالية، مؤكدًا أن الأمن يشكل ركيزة أساسية لتعزيز بيئة الأعمال وجذب الاستثمارات إلى المحافظة، بما يسهم في التنمية المستدامة

من جانبه، أعرب العرجاني عن شكره لسمو محافظ الأحساء على توجيهاته واهتمامه ودعمه المستمر، مؤكدًا مضاعفة الجهود والالتزام بالمسؤوليات المنوطة به لضمان تحقيق أفضل النتائج لقطاع المجاهدين بالمحافظة

Continue Reading

أهم الأخبار

سمو محافظ الأحساء يقلّد أول قائدة كشفية بالمنطقة الشرقية الشارة الخشبية

Published

on

المواطن اليوم /

قلّد صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن طلال بن بدر محافظ الأحساء ، بمقر المحافظة اليوم ” الأربعاء ” ، القائدة الكشفية سارة بنت محمد العتيبي، أول قائدة كشفية في المنطقة الشرقية تحصل على الشارة الخشبية، بحضور عدد من المسؤولين والقيادات التربوية والكشفية، وذلك في إطار دعم القيادات الوطنية وتمكين الكفاءات الشابة في العمل الكشفي

وأكد سموّه أن حصول القائدة على الشارة الخشبية يعكس جودة التأهيل الكشفي وفاعلية البرامج التدريبية المقدمة، وما تمثله الحركة الكشفية بمحافظة الأحساء من نموذج قيادي يعكس مستوى عاليًا من الالتزام والانضباط وروح المبادرة، مشددًا على أهمية إعداد قيادات قادرة على خدمة المجتمع والمساهمة في تنميته

وأشار سموّه إلى أهمية استمرار دعم جميع المبادرات الكشفية والتربوية التي تسهم في بناء شخصية قيادية واعية، مثمنًا الجهود المبذولة في هذا المجال، ومتمنيًا للقائدة مزيدًا من التوفيق والنجاح في مسيرتها القادمة

من جانبها، أعربت القائدة الكشفية سارة العتيبي عن شكرها وامتنانها لسمو محافظ الأحساء على دعمه واهتمامه المستمر بالعمل الكشفي، مؤكدة أن نيلها الشارة الخشبية يمثل مسؤولية أكبر لمواصلة العمل التطوعي والكشفي، والإسهام في تطوير مهارات الفتيات في هذا المجال

Continue Reading

أهم الأخبار

سمو محافظ الأحساء يطّلع على مشروع تطوير إستراتيجية جامعة الملك فيصل وتوجهاتها المستقبلية

Published

on

المواطن اليوم /

اطّلع صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن طلال بن بدر محافظ الأحساء، بمقر المحافظة ، اليوم ” الأربعاء ” ، على مشروع تطوير إستراتيجية جامعة الملك فيصل، ومواءمتها مع مستهدفات هيئة تطوير الأحساء، وذلك بحضور رئيس الجامعة الدكتور عادل بن محمد أبو زنادة وعدد من قياداتها، ومشاركة منسوبي شركة ماكينزي آند كومباني

واطّلع سموّه على مستجدات مشروع إعداد إستراتيجية الجامعة 2030، الذي يهدف إلى تعزيز مكانتها الأكاديمية والبحثية، ودعم استدامتها المالية من خلال تنويع مصادر الدخل وتعظيم كفاءة استثمار الأصول، إلى جانب تطوير نموذجها التشغيلي ورفع كفاءتها المؤسسية، إضافةً إلى اطّلاعه على نتائج التحليل التشخيصي، الذي تضمّن تقييم الوضع الراهن وتحديد الفرص التطويرية، ومخرجات اللقاءات مع عددٍ من الجهات ذات العلاقة، بما يعزز تكامل الأدوار مع مستهدفات التنمية في الأحساء، خصوصًا في مجالات التنمية الزراعية والسياحية والثقافية، وتحسين جودة الحياة

ونوّه سمو محافظ الأحساء بما يحظى به قطاع التعليم من دعم واهتمام القيادة الرشيدة -حفظها الله-، مؤكدًا أهمية تكامل الجهود بين الجامعة والجهات ذات العلاقة، بما يسهم في تحقيق مستهدفات التنمية، وتعزيز دور الجامعة بصفتها ممكّنًا للمعرفة والابتكار، وبما يتوافق مع مستهدفات رؤية المملكة 2030

من جهته، ثمّن رئيس الجامعة اهتمام ودعم سمو محافظ الأحساء، مؤكدًا مضيّ الجامعة في تطوير إستراتيجيتها المؤسسية بالشراكة مع شركة ماكينزي، بما يضمن مواءمة مبادراتها مع أفضل الممارسات العالمية، وتعظيم أثرها النوعي، وترسيخ مكانتها الأكاديمية والبحثية، وتعزيز إسهامها في مسارات التنمية المستدامة

Continue Reading

الاكثر تداولا

عدد الزوار: 5211596

Copyright © 2017 almowatenalyoum.com