Connect with us

أهم الأخبار

رواية (الورده الذابلة) الحلقه الثالثة .لـ أحمد المغلوث

Published

on

احمد-م

  الحلقه الثالثة 

  • كل شيء سيكون في البيت على ما يرام .. ام صالح من بكره بتنام معي فيه علشان  تونسني .. وبيتنا مثل ما تعرف ما شاء الله عامر بالاولاد والبنات والأحفاد .. المهم لا تشغل بالك بالبيت ..

كان يقول ذلك وهو يحمل معهما الفرش والمواد الغذائية لوضعها في صندوق العربة ..قبل أن يصعد الحاج يوسف العربة أحتضنه وودعه طالبا أن ينقل تحياته وتحيات  ام يوسف لزوجته وأولاده وبناته.. انطلقت العربة  تلاحقها نظرات ودعوات ابي صالح ..  الطريق بين الأزقة مظلم كالعادة .. تقطع حدة الظلام أنوارا باهتة من بعض نوافذ البيوت الطينية .. هذا الظلام الكثيف الذي يغطي طرق المدينة وأزقتها منذ سنين .. كان الصمت ثقيلا لايقطعه الا صرير عجلات العربة وإيقاعات حوافر حمارها الابيض الذي بات واضحا ومشرقا في هذا الظلام الدامس .؟! حاول السائق “علاي” تبديد الصمت وحتى الظلام بأثارة حكاية عاشها في ليلة برد عندما تأخر عن العودة الى المدينة قبل موعد إغلاق البوابات .. كان ذلك قبل ثلاث سنوات مضت وكان في مشوار توصيل لأحدى الأسر والتي كانت في زيارة لابنتهم التي رزقت بمولود في قرية الشقيق والتي تبعد مسافة ليست ببسيطة .. وعند عودته شعر برغبة في الاستحمام في عين منصور .. وكانت عين ماء شهيرة تجاوزت شهرتها العيون الأخرى المشهورة في المنطقة .. وخلال سباحته واستحمامه في هذه العين التقى فيها بمجموعة من الشباب والذين كانوا يحتفلون بمناسبة زواج احدهم .. فأصروا أن يتعشى معهم  ولم يتردد أن يقبل  دعوتهم خصوصا والجوع قد بدأ يقرصه بعد الاستحمام .. ومضى الوقت سريعا عليه دون أن ينتبه  لموضوع البوابة وحراسها شديدي البأس .؟! وعندما وصل الى المدينة وجد البوابة الشمالية (بوابة الحارة ) مغلقة ضرب الباب عدة مرات وصاح على الحارس الذي يعرفه . ولم يجيبه احد .. حاول أكثر من مره وبعد محاولات أخرى متكررة  أجابه حارس آخر بأن من لديه المفتاح ذهب ليرتاح في بيته وسوف يعود فجرا .. وأمره لله أن ينام خارج السور .. من أجل أن يتعلم  أن يحترم مواعيد العدة للمدينة ..وهكذا ياعم يوسف اضطررت للنوم في صندوق العربة ولولا لدي في الصندوق بعض الخياش التي تغطيت بها لتجمدت من البرد .. ومنها ياعمي صرت أفكر أكثر من مره أن لا أتأخر في العودة للمدينة .. وحسبي الله ونعم الوكيل لقد أصابني البرد من تلك الليلة ومكثت عدة أيام طريح الفراش .. حيث هد بردها كل جزء في جسمي وعلى الأخص أنني كنت مستحم قبلها  فترة طويلة في عين منصور .. وبعد عدة أيام غادرت الفراش وشوق كبير يهزني لرؤية الناس والأسواق وحتى حمارتي هذه .. المبروكة .. ويمكن ياعمي تضحك على لو قلت لك أني اشتقت لها أكثر  .. قال ذلك وهو يمسح على ظهرها بيده .. وأزيدك من الشعر بيت تراها حمارة أصيله معروف أبوها وأمها .. عندها لم يتمالك الحاج يوسف من الضحك  وهو يقول  : الله يغربل شرك يا علاي .. أصل وفصل .. اجل أكيد عندك لها شجرة عائله ..

 أومأ علاي برأسه  .. مؤكدا صحة كلامه وقال .. الكذب خيبه ياعمي ماعندي لها شجرة عائله لكن متأكد أني اعرف حتى جدها الخامس .. واللي باعها لي رجل ثقة  (حمار بن حمار ).. متخصص في بيع الحمير البيض .. الأصيلة وأنت تعرف أن منطقتنا هنا اشتهرت عبر التاريخ بهذه النوعية من الحمير .. حتى أني مره شاهدت في سوق الخميس من كم سنه تاجر أجنبي شاري كم حماره بيصدرهم  معاه للخارج .. هز الحاج يوسف رأسه  علامة الموافقة على كلامه وقال في هذا معك حق .. كل ديره في العالم تشتهر بنوعية من الأنعام والبهائم  عندك الهند اشتهرت بالأفيال .. وسيام اشتهرت بالتماسيح .. وفارس بالقطط .. والجزيرة العربية اشتهرت بالخيول العربية الأصيلة ونفس الشيء هذه المنطقة اشتهرت بالحمير البيض ..تطلع اليه السائق علا ى بعينين  تحملان  الطيبة والتقدير الممزوج بالأعجاب وقال ما شاء الله ياعمي كل هذا تعرفه .. أنت سافرت سيام والهند ..؟

  • أجابه أبي يوسف أبدا ياعلاي ابعد مكان سافرت اليه  الحجاز  الحمدلله قضيت فرضي ومسكت أرضي مثل ما يقولون .. علشان كذا سموني الحجي .. !
  • وبصوت مشبع بالحسرة قال علاي : الله يبلغنا .. أتمنى أن تتكحل عيوني برؤية البيت الحرام ..
  • الله يبلغك ياعلاي أنت واهلك وكل مسلم .. قال ذلك والعربة تجتاز بوابة القلعة الجنوبية ..
  • الحج وزيارة قبر الرسول عليه أفضل الصلوات والتسليم حلم يراودني وأم علاى .. ومثل ماتشوف ياعمي مالك على يمين من فجر الله وأنا اركض وراء رزقي ورزق عيالي لكن اللي احصل عليه من ( طويله ) طول الشهر يالله يالله يغطي مصاريف بيتي وإيجاره ..
  • كان الله في عونك وعون المسلمين .. مافيه احد في هذه الدنيا ماهو تعبان الجميع يركضون وراء لقمة العيش .. وهذه سنة الحياة وإذا كنت تشعر أنك تتعب من الفجر .. فأحمد ربك أنك بصحة وخير .. هناك ياعلاي من هو يتعب وهو مريض .. أنت ماسبق وشفت ناس في السوق مبتورة أقدامهم و أيديهم نتيجة لحوادث او أمراض او حتى ولدوا مشوهين ومع هذا تجدهم يعملون .. المهم ياعلاى أستمر في عملك وتفاءل وربك كريم
  • نعم ياعمي ربي كريم ولكن اللي مثلي من حقه ان يحلم بالحج أنا الآن في الخمسين من عمرى وزوجتى في الاربعين وما قضينا الفرض ..
  • أن شاء الله تقضيه وتفاءل بالخير تجده .. يصعب على ياعلاى أن اشرح لك جوانب الخير الكثيرة في الحياة .. فمزاجي متعكر ومالي نفس أتحدث .. عقلي مشغول بالبنت وأصابتها ..
  • سا محنى يا عمي إذا شغلتك بهمومي وأحلامي .. من زمن طويل ماتحدثت عن ذلك لاحد .. ما أدري ليش أخذني الكلام وقلت لك اللي في نفسي .؟!
  • أبدا مافيه مشكله بس أنا الآن لست مستعدا لسماعك اوسماع غيرك .. قلت لك عقلي مشغول .. والآن ممكن تسكت .؟! قالها بحده .. عندها انتفض علاى وهو يسمع ( ممكن تسكت ) خرجت من فم الحاج يوسف قوية وكل حرف فيها أشبه بالعصا التي يمسك بها ويضرب بها حمارته المبروكة عندما تحرن  ..أو يوخزها في ظهرها بين فترة وأخرى حاثا إياها على السرعة  .. نعم لايلام لوحتى ضربه لا بالكلام وإنما بمثل عصاه .. فهو زودها كثيرا ..ورفع الكلفة بينه وبينه بل وتبسط معه لدرجة صار يتحدث معه عن أحلامه وأمنياته .. هل هذا معقول صاحب عربة ( قاري ) يتحدث بمثل هذا مع الحاج يوسف ؟! دارت هذه الخواطر في نفسه وهو يشعر برهبة شديدة منه.. أخذ الوقت يمر بطيئا.. وكان السكون شاملا في هذا الطريق المتعرج بين النخيل .. لا يقطعه الا نباح بعض الكلاب في بعض المزارع  وصوت حوافر حمارته وقعقعة عجلاتها التي تثيرسكون الطريق..كان علاي منذ طلب منه الحاج يوسف السكوت وهو يشعر برهبة بلغت من الشدة أنه لم يجرؤ أن ينظر اليه.. مضى وقت لم يكن قد نطق بكلمة واحدة من شدة خوفه ووجله مع ان هناك العديد من الأسئلة التي يريد ان يطرحها عليه ..مثل هل ينتظر معه في بيت المجبر .. أم يعود أدراجه الى مدينته .. وهل .. وهل .. عشرات الأسئلة الحائرة التي تدور في ذهنه .. ولكنه لايستطيع طرحها اوحتى البوح بها .. كانت رائحة البساتين المشبعة بعبير أشجار الليمون و الترنج وحتى زهور البرسيم تتناثر حولهما وتعطى للطريق تميزا ..بدأ وجه الحاج يوسف وسط الظلام مكفهرا تعبا اختفت منه  تلك المسحة الجمالية التي اتسم بها بين رجال الحي وزادته لحيته الخفيفة السوداء وسامة وهيبة .. هكذا كان يراه الجميع .. أما في هذه اللحظة فلقد تغيرت ملامحه كثيرا .. شعر علاي بأن من يحمله معه في عربته .. يحمل هموما ومتاعب  وثمة شيء يجهله يسيطر عليه .. هل هو حزنه على ابنته والمصير المجهول الذي ينتظرها .. ام أن التعب قد هد حيله وقواه وجعله بهذه الصورة المحزنة .. كان الطريق المظلم يستحيل ظلاما شديدا عندما تخفى قامات النخيل العملاقة بسعفها الكثيف تلك الغلالة المنيرة من نور القمر  فيزداد الظلام حلكة .. فيما تخترق العربة الطريق كانت الهواجس والأفكار تخترق قلب الحاج يوسف وهو يفكر فيما وقع لابنته من حادث .. وكيف تكون حالتها بعد ذلك  .. وكيف يتصرف هو زوجته  بعد ذلك .. كان يتسأل بينه وبين نفسه وهو يسبح بحمد الله بسبحته  .. عندما التفت الى السائق وقال : طبعا ياعلاى صعب عليك العودة للديرة مره أخرى الليله أنا أرى بعد ما نتعشى سوى في بيت المجبر ..  تنام معي .. والصباح تستطيع تعود .. أجابه علاي سعيدا :  اللي تشوفه ياعمي .. المهم أننا ندخل المدينة وتوصل بالسلامة وتطمئن على البنيه .. ولا تحمل همي .. انا لي أصحاب كثر .. ثم مد يده الى رأسه وسحبه وراح يقبله باحترام وهو يردد كثر الله من أمثالك ..؟!   يتبع 
Continue Reading
Click to comment

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أهم الأخبار

سمو محافظ الأحساء يستقبل قيادات التعليم ويكرّم الفائزين بالجوائز المحلية والدولية

Published

on

المواطن اليوم /

استقبل صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن طلال بن بدر محافظ الأحساء ، بمقر المحافظة ، أمس ” الثلاثاء ” مدير عام الإدارة العامة للتعليم بالأحساء طواشي بن يوسف الكناني، وعددًا من القيادات التعليمية ومديري ومديرات المدارس، وذلك في إطار دعم مسيرة التعليم وتعزيز منجزاته

وأشاد سمو محافظ الأحساء بما يحظى به قطاع التعليم ومنسوبوه من رعاية واهتمام ودعم من القيادة الرشيدة –حفظها الله– مؤكدًا أن الاستثمار في الإنسان يُعد أحد أهم أولويات الدولة، وأن قطاع التعليم يمثل ركيزة أساسية في بناء الأجيال، انسجامًا مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 التي أولت التعليم اهتمامًا كبيرًا باعتباره محورًا رئيسًا في التنمية وبناء الإنسان، معربًا عن اعتزازه بما يحققه تعليم الأحساء من إنجازات نوعية على المستويين المحلي والدولي، مشيرًا إلى أن هذه المنجزات تعكس تكامل الجهود والعمل الجاد من قبل القيادات التعليمية والمعلمين والمعلمات، إضافة إلى ما وفرته الدولة من إمكانات أسهمت في تطوير البيئة التعليمية

وشاهد سموّه والحضور عرضًا مرئيًا بعنوان “إنجازات وتطلعات”، استعرض أبرز منجزات إدارة التعليم وخططها المستقبلية، حيث حصل تعليم الأحساء على المركز الأول بنسبة (100%) على مستوى إدارات التعليم، في انضباط الطلاب ورصد الغياب خلال شهر رمضان المبارك، وحقق طلاب المحافظة المركز الثالث في مجال العلوم، والمركز الرابع في مجال الرياضيات على مستوى المملكة ، وتم اكتشاف (2296) طالبًا وطالبة موهوبة اجتازوا مقياس موهبة، وحصل الطلاب على (15) ميدالية في مسابقة كاوست للرياضيات، كما تم ترشيح (6) طلاب في مسابقة إبداع 2026 لتمثيل المملكة في المحافل العالمية ، وحقق (135) طالبًا وطالبة ميداليات في مسابقة بيبراس المعلوماتية، وحصد (5) طلاب جوائز في معرض سيئول الدولي للاختراعات ، كما بدأ العمل لإنشاء صالتين رياضيتين بسعة طلابية بلغت (900) طالبة، وإنشاء (6) ملاعب عشبية بسعة طلابية بلغت (1524) طالبًا وطالبة. كما يجري تنفيذ (3) مشاريع إنشائية لمبانٍ مدرسية بسعة طلابية تبلغ (1800) طالب وطالبة، وتم توقيع عقود (7) مشاريع مدرسية جديدة، بسعة (4080) طالبًا وطالبة ، إضافة إلى ترميم (32) مبنى مدرسيًا ضمن أعمال الصيانة الطارئة، مع استمرار العمل على ترميم (18) مبنى مدرسيًا آخر

وقدم الكناني الشكر والتقدير للقيادة الرشيدة – حفظها الله – على ما توليه من دعم مستمر للتعليم، مؤكدًا أن اهتمام ومتابعة سمو محافظ الأحساء كان لهما أثر كبير في تحقيق إنجازات الإدارة خلال العام الدراسي الحالي 1447هـ

وفي ختام اللقاء كرّم سمو محافظ الأحساء المدارس والمعلمين والمعلمات الفائزين بجوائز محلية ودولية خلال العام الدراسي الحالي 1447هـ، تقديرًا لتميزهم وإسهاماتهم في رفع اسم المحافظة في المحافل التعليمية المختلفة .

Continue Reading

أهم الأخبار

الصين بعد الذكاء الاصطناعي: من “مصنع العالم” إلى “عقل العالم”

Published

on

المواطن اليوم

بقلم : وارف قميحة، رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث، رئيس الرابطة العربية الصينية للحوار والتواصل

لم يعد توصيف الصين كـ”مصنع العالم” كافيًا لفهم موقعها في الاقتصاد الدولي. فخلال العقدين الماضيين، تحوّل هذا الدور تدريجيًا من الاعتماد على العمالة منخفضة الكلفة إلى الاستثمار المكثف في التكنولوجيا، والبحث العلمي، والابتكار. واليوم، مع تسارع تطور الذكاء الاصطناعي، تدخل الصين مرحلة جديدة تسعى فيها إلى أن تكون ليس فقط مركزًا للإنتاج، بل مركزًا للمعرفة.

هذا التحول ليس طارئا، بل نتيجة سياسات طويلة الأمد. فقد وضعت بكين منذ سنوات أهدافا واضحة ضمن خططها التنموية، أبرزها مبادرة “صنع في الصين 2025” (Made in China 2025)، التي ركزت على نقل الاقتصاد من الصناعات التقليدية إلى الصناعات المتقدمة، مثل الروبوتات، وأشباه الموصلات، والتقنيات الرقمية. كما دعمت الحكومة هذا التوجه من خلال استثمارات كبيرة في البحث والتطوير، حيث تجاوز إنفاق الصين على البحث والتطوير، وفق أحدث البيانات (2025)، 3.9 تريليون يوان (نحو 570 مليار دولار)، ما يضعها ضمن أكبر الدول إنفاقًا عالميًا في هذا المجال.

في سياق الذكاء الاصطناعي تحديدًا، أطلقت الصين خطة وطنية عام 2017 تهدف إلى أن تصبح رائدة عالميًا في هذا القطاع بحلول 2030. ومنذ ذلك الحين، شهدت البلاد توسعًا كبيرًا في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، سواء في الصناعة، أو الخدمات، أو الإدارة الحكومية.

وهنا لا يتعلق الأمر بمجرد سباق تكنولوجي، بل بإعادة تعريف موقع الدولة في الاقتصاد العالمي—من منتج للتقنيات إلى صانع لمنطقها.

تلعب شركات التكنولوجيا الكبرى دورًا محوريًا في هذا التحول، مثل Baidu في تطوير نماذج اللغة والقيادة الذاتية، وAlibaba في الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي التجاري، وTencent في تطبيقات البيانات الضخمة والمنصات الرقمية. هذه الشركات لا تعمل بمعزل عن الدولة، بل ضمن بيئة تنسيق تجمع بين القطاعين العام والخاص، وهو نموذج يميز التجربة الصينية.

فالعلاقة هنا ليست فصلًا بين سوق ودولة، بل تكاملًا يهدف إلى تسريع التحول وضبط اتجاهه في آن واحد.

في الوقت نفسه، تستفيد الصين من حجم سوقها الداخلي، الذي يضم أكثر من مليار وأربعمئة مليون نسمة، ويوفر كميات هائلة من البيانات، تُعد عنصرًا أساسيًا في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي. كما أن انتشار البنية التحتية الرقمية، واعتماد التقنيات الحديثة في الحياة اليومية، من الدفع الإلكتروني إلى المدن الذكية، يسرّع من وتيرة هذا التحول.

وتشير بيانات (2025) إلى أن عدد مستخدمي تقنيات الذكاء الاصطناعي في الصين تجاوز 500 مليون مستخدم، ما يعكس انتقال هذه التكنولوجيا من المختبر إلى الاستخدام الواسع في المجتمع والاقتصاد.

وهذا ما يمنح الصين ميزة يصعب استنساخها: بيئة اختبار واسعة، وسريعة، ومتصلة مباشرة بالاستخدام الفعلي.

غير أن هذا المسار لا يخلو من تحديات. فالصين لا تزال تواجه قيودًا في بعض المجالات الحساسة، خاصة في صناعة أشباه الموصلات المتقدمة، حيث تعتمد جزئيًا على التكنولوجيا الخارجية. كما أن المنافسة مع الولايات المتحدة في مجال الذكاء الاصطناعي تزداد حدة، ما يضيف بعدًا جيوسياسيًا لهذا التحول التكنولوجي.

فالذكاء الاصطناعي لم يعد قطاعًا اقتصاديًا فقط، بل أصبح أداة سيادة، تعاد من خلالها صياغة موازين القوة.

إلى جانب ذلك، تطرح هذه التحولات تحديات داخلية تتعلق بالتنظيم، وحماية البيانات، وتأثير الأتمتة على سوق العمل. وقد بدأت الصين بالفعل في وضع أطر تنظيمية لهذه التقنيات، في محاولة لتحقيق توازن بين الابتكار والرقابة، وهو توازن دقيق سيحدد مسار هذا التحول في السنوات المقبلة.

في هذا السياق، يبرز طرح صيني أوسع يرتبط بمفاهيم مثل “التنمية عالية الجودة” و”الابتكار كقوة دافعة أولى”، وهي مفاهيم أساسية في خطاب الرئيس شي جين بينغ، الذي أكد مرارًا أن التكنولوجيا ستكون محور التنافس الدولي في المرحلة المقبلة.وهنا، لا تنافس الصين على التكنولوجيا بحد ذاتها، بل على من يملك تعريفها، ومن يضع معايير استخدامها عالميًا.

بناءً على ذلك، فإن انتقال الصين من “مصنع العالم” إلى ما يمكن وصفه بـ”عقل العالم” ليس مجرد تغيير في النشاط الاقتصادي، بل تحول في موقعها ضمن سلسلة القيمة العالمية. فبدل الاكتفاء بالإنتاج، تسعى الصين إلى التحكم في المعرفة، والتصميم، والتكنولوجيا-وهي العناصر التي تحدد القيمة الحقيقية في الاقتصاد الحديث.

ومع أن هذا التحول لا يزال قيد التشكّل، إلا أن مؤشراته واضحة. فالصين لم تعد فقط منصة للتصنيع، بل أصبحت لاعبًا رئيسيًا في صياغة مستقبل التكنولوجيا، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي.

أما عربيًا، فإن هذا التحول يضع المنطقة أمام مفترق واضح. فالدول العربية، التي ارتبطت بالصين لعقود كشريك تجاري ومصدر للاستثمار والبنية التحتية، تجد نفسها اليوم أمام شريك يتغير في جوهره. لم تعد العلاقة مع بكين محصورة في الموانئ والطرق والطاقة، بل باتت تمتد إلى التكنولوجيا، والبيانات، والاقتصاد الرقمي.

وهنا يكمن التحدي الحقيقي:هل ستبقى الدول العربية مستهلكًا للتكنولوجيا، أم ستتحول إلى شريك في إنتاجها؟

فالدخول في عصر الذكاء الاصطناعي لا يمر فقط عبر استيراد الحلول، بل عبر بناء القدرات المحلية، والاستثمار في التعليم، وتطوير بيئات تشريعية تسمح بالابتكار. والصين، بنموذجها الحالي، تقدم فرصة، لكنها في الوقت نفسه تفرض واقعًا جديدًا: من لا يواكب، يبقى خارج معادلة القيمة.

المسألة لم تعد قدرة الصين على اللحاق، بل قدرة الآخرين-ومنهم العالم العربي-على فهم هذا التحول والتعامل معه.

Continue Reading

أهم الأخبار

طبيب عربي من العصور الوسطى صحح تشريح العين وغير مسار الطب في أوروبا

Published

on

كشفت دراسة حديثة أن الطبيب والعالم العربي حنين بن إسحاق، الذي عاش في القرن التاسع، لعب دورا محوريا في تشكيل المعرفة الطبية الغربية، بفضل ترجماته لأعمال كبار الأطباء اليونانيين.

المواطن اليوم

ووفقا للورقة البحثية التي نشرتها مجلة Cogent Arts and Humanities، فقد قام الباحثون من جامعة الشارقة بتحليل وترجمة مخطوطة أصلية لحنين تحمل عنوان “في العين مائتان وسبع مسائل”، وهي رسالة مبتكرة في طب العيون صححت مفاهيم خاطئة سائدة في العصور الوسطى، وأثرت بشكل كبير في تطور الطب لاحقا.

وكتبت الرسالة على شكل أسئلة وأجوبة، وتكمل عشرة أعمال أخرى لحنين، وتعتبر مجتمعة علامة فارقة في تاريخ الطب الإسلامي والغربي. وقد وفرت هذه الأعمال تحليلا دقيقا لتشريح العين، بما في ذلك طبقاتها وأعصابها البصرية.

وأوضحت الباحثة دلال الزعبي، المعدة الرئيسية للدراسة، أن حنين بن إسحاق أثبت براعته العلمية في طب العيون، مقدما تفسيرات قائمة على الأدلة. وأكد أن الخلاف حول عدد طبقات العين كان لفظيا فقط، وليس حقيقيا، موضحا أن العين تتكون من سبع طبقات، واحدة فقط مسؤولة عن الرؤية والباقي يدعم وظيفتها. كما وصف بدقة عضلات العين ودور الدماغ في التحكم بها عبر العصب البصري.

ولم يقتصر تأثير حنين على الطب فقط، بل كان مترجما عبقريا. فقد أثرى اللغة العربية بمصطلحات طبية دقيقة ما تزال مستخدمة حتى اليوم، مثل “الشبكية” و”القرنية”. وبدلا من الترجمة الحرفية، ابتكر مصطلحات عربية تعبر عن المعنى بدقة، مثل شبكية العين لأن تركيبها يشبه شبكة الصياد، بالنظر إلى التشابك الكثيف للأوردة والشرايين المتداخلة فيها.
وكان حنين، وهو مسيحي من أهل الحيرة في العراق، يلقب بـ “شيخ المترجمين”. عمل في بيت الحكمة في بغداد، وساهم في ترجمة المخطوطات اليونانية والسريانية إلى العربية، ما حافظ على المعرفة اليونانية القديمة وسهل نقلها لاحقا إلى أوروبا.

ويعد حنين جسرا فكريا بين الطب اليوناني القديم والطب الأوروبي في العصور الوسطى. فقد اعتمدت الجامعات الأوروبية لاحقا على الترجمات اللاتينية التي نقلت عن ترجماته العربية. ويذكر على وجه الخصوص كتابه “المسائل في الطب” الذي ترجم إلى اللاتينية تحت عنوان Isagoge Johannitius وظل لقرون مرجعا تمهيديا لتعليم الطب في أوروبا.

ويصف الأستاذ مأمون صالح عبد الكريم، أستاذ الآثار والتاريخ في جامعة الشارقة، المشارك في الدراسة، حنين بأنه شخصية ذات أهمية دائمة، قائلا: “أثر حنين بن إسحاق بشكل كبير في تطور الطب الغربي. لعب دورا حاسما في ترجمة النصوص الطبية اليونانية إلى العربية، خاصة تلك الخاصة بغالينوس وأبقراط، حيث صقلها وشرحها بدقة علمية ملحوظة. لم يكن حنين مجرد ناقل للطب اليوناني، بل كان واحدا من أهم الجسور الفكرية التي ربطت المعرفة الكلاسيكية بالطب الأوروبي في العصور الوسطى”.
ويضيف الأستاذ مسعود إدريس، أستاذ الحضارة الإسلامية في جامعة الشارقة: “ترجمات حنين بن إسحاق وكتاباته الأصلية مارست تأثيرا ليس فقط داخل العالم الإسلامي ولكن أيضا في أوروبا في العصور الوسطى”. 

وأشار الأستاذ إدريس إلى أن مؤرخي الطب يولون اهتماما خاصا لكتاب حنين “المسائل في الطب” (للمتعلمين)، والذي ترجم إلى اللاتينية تحت عنوان Isagoge Johannitius. وقال: “خدم هذا النص لعدة قرون كدليل طبي تمهيدي في الجامعات الأوروبية. إن تداول أعمال حنين على نطاق واسع في العالم اللاتيني يوضح الدور المهم الذي لعبته المدرسة الطبية الإسلامية في تشكيل أسس التعليم الطبي في أوروبا”.

وخلص الأستاذ عبد الكريم إلى أن إرث حنين بن إسحاق يذكرنا بأن التقدم العلمي لم يولد من فراغ، بل نشأ من الحوار بين الحضارات. فتاريخ الطب “ليس مجرد قصة حضارة واحدة، بل هو حكاية معرفة تنتقل عبر الثقافات لتشكل العلوم العالمية.

وتتناول الدراسة إسهامات حنين في تطوير حركة الترجمة في العصر العباسي الأول، مسلطة الضوء على كيف كان رائدا لنموذج الترجمة الذي يفضي نقل المعنى الكامل للنص الأصلي بدلا من الالتزام بالممارسة السائدة للترجمة الحرفية كلمة بكلمة. وتعد هذه الدراسة هي الأولى التي تنقل مخطوطة “في العين مائتان وسبع مسائل” إلى اللغة الإنجليزية، لتفتح نافذة جديدة على عظمة هذا العالم الذي جمع بين الإتقان الطبي والعبقرية اللغوية.

عن / شبكة ار تي العربيه RT

Continue Reading

الاكثر تداولا

عدد الزوار: 5007648

Copyright © 2017 almowatenalyoum.com