Connect with us

أهم الأخبار

مرضى يعانون طول العمر.. «الله يشفيهم»

Published

on

 

marizh

 

 

 

 

 

 

 

 

الأحساء، تحقيق- أسماء المغلوث

    لا أحد يمكنه أن يتصور ما يعانيه ملايين البشر حول العالم من متاعب عديدة ومعاناة مستمرة؛ نتيجة إصابتهم بأمراض مزمنة كتبها الله لهم، وبلدنا كغيره من البلدان يوجد فيه آلاف المرضى الذين يحظون بعناية واهتمام كبيرين من قبل الدولة، بيد أن من يعانون من الأمراض المزمنة التي لا يُرجى برؤها يظلون يكابدون ويعانون سنوات طويلة وهم الذين كانوا يعيشون حياتهم طولاً وعرضاً في يوم من الأيام قبل إصابتهم بتلك الأمراض، فمريض الفشل الكلوي تستمر معاناته سنين طويلة إلى أن يأتيه الفرج عبر تبرع أحد أقاربه أو غيرهم بإحدى كليتيه له، وما يقال عن هذه الحالة ينطبق أيضاً على مرضى الكبد، كما أن هناك من المرضى من تلازمهم المعاناة والمتاعب طيلة سنوات العمر، ومن ذلك المصابون بالعمى أو الشلل أو التشوهات الجلدية نتيجة العوامل الوراثية أو خلل في إحدى الجينات، وغيرها من الأمراض الأخرى.

ومع ذلك فإن خيط الأمل لدى هؤلاء يجب ألاَّ ينقطع، وعرى التواصل مع الله -جل في علاه- لا بد أن تبقى، فأبواب الله لا تسد في وجه أحد من خلقه التجأ به ورفع أكف الضراعة إليه، ومن المهم أن يمارس المريض حياته بشكل طبيعي -قدر الامكان- وأن يتواصل مع أُسرته وأفراد مجتمعه والقريبين منه، وأن يستشعر أن ما أصابه لم يكن ليُخطئه، وما أخطأه لم يكن ليُصيبه، وأن يجعل من هذا المرض بوابة يتواصل عبرها مع خالقه ومولاه الذي قال في كتابه العزيز:”وإذا مرضت فهو يشفين”. “الرياض” عبر هذا التحقيق رصدت جانباً من معاناة بعض هؤلاء المرضى، فخرجنا بالحصيلة التالية:

تقاعد مبكر

في البداية قالت “أم سعد”:”لقد تجاوزت العقد الخامس من العمر، وكنت فيما مضى أعمل مديرة لمدرسة متوسطة بالرياض، وقبل عام تقريباً تقاعدت مبكراً عن العمل؛ بسبب إصابتي بداء السكري الذي نتج عنه إصابتي بفشل كلوي”، مضيفة أنه على الرغم من تقيدها بنظام حمية شديدة إلاَّ أن ظروف العمل التعليمي ومسؤوليات إدارة المدرسة ساعدت كثيراً في اضطراب هذه الحمية، إلى جانب إصابتها أيضاً بمرض ارتفاع ضغط الدم، مشيرةً إلى أن هذه الظروف مجتمعة فاقمت الوضع وأدَّت إلى طلب التقاعد المبكر للتفرّغ لمواعيد الغسيل الكلوي ثلاث مرات أسبوعياً.

وأضافت أنها كانت تسكن في حي “السلي” بمدينة “الرياض” وتقطع مسافة طويلة للوصول إلى وحدة غسيل الكلى وسط “الرياض”، مشيرة إلى أنها تخرج من منزلها منذ ساعات الصباح الباكر؛ لكي تصل في الموعد المحدد، ومع ذلك فإن عليها عندما تصل الانتظار لفترة زمنية قد تطول أو تقصر حسب الظروف، لافتة إلى أن كراسي الغسيل محدودة وهناك من يعانون مثلها نتيجة هذا المرض، مؤكدة على أنها راضية بحكم الله، مبينة أنها تبدأ جلسة الغسيل عادة بقراءة آيات من القرآن الكريم، وأحيانا تتبادل الحديث مع المريضة التي تجلس إلى جوارها، موضحة أنها كوَّنت علاقات جيدة وارتبطت بصداقات عديدة مع العديد من المريضات في وحدة الغسيل ممن يتقاسمن معها هم المرض.

وأشارت إلى أن زوجها تقاعد من عمله في فرع شركة “أرامكو” بالعاصمة “الرياض” قبل عدة أشهر؛ الأمر الذي جعل الأسرة تعود إلى الأحساء، مضيفة أنه مر عامان ونصف تقريباً على بداية معاناتها من مرض الفشل الكلوي، موضحة أن حالتها المادية جيدة -ولله الحمد- مقارنة بغيرها، إذ إن زوجها كان موظفاً وهي كانت موظفة؛ مما ساعد على إحضار عامله منزلية لتساعدها في أعمال المنزل، إلى جانب استقدام سائق تولى مهمة إيصالها إلى المستشفى للمتابعة ولمواعيد الغسيل الكلوي، لافتة إلى أن مرضها لم يمنعها من أداء التزاماتها تجاه أفراد أُسرتها والوفاء بما عليها من واجبات اجتماعية نحو أفراد عائلتها أو أهل زوجها ومعارفها.

أدوية عشبية

أما “أم يوسف” فقد تجاوزت عقدها السادس وهي لم تتزوج بعد، بيد أنها فضلت أن تلقب ب”أُم يوسف”، مضيفة أن ذلك جاء تيمُّناً باسم جدها، وقالت:”أُصبت في صغري بمرض في عينيَّ، وكنت وقتها طفلة جميلة جداً بحسب رواية والدتي وأشقائي وشقيقاتي فيما بعد، ونتيجة لعدم وجود أطباء عيون في ذلك الزمن فقد ذهبت إلى إحدى المُعالجات الشعبيات التي وصفت لي أدوية عشبية تم جلبها من الحوَّاج أو العطَّار”، مشيرة إلى أن تلك الأدوية سببت لها تلفاً في عينيها، لافتة إلى أن أفراد أُسرتها أكدوا لها أنها أُصيبت بعين حاسدة بهرها جمالها وجمال عينيها.

وأضافت أن شعورها برغبة في حك عينيها باستمرار والضغط عليهما ساعد أيضاً في تلفهما، مشيرة إلى أنه بعد مرور عدة سنوات جاء طبيب مشهور عقب افتتاح أحد المستشفيات في المدينة وكانت حينها قد تجاوزت ال (20) عاماً فراجعته برفقة والدها، وعندما فحص عينيها قال:”للأسف، لا فائدة فقد نتج عن كثرة الضغط على العينين إصابتهما بتلف في أعصابهما ودخلتا أكثر، ولا يمكن عمل شيء لهما”، مؤكدة على أن ذلك أشعرها بالحزن لعدة أيام، ومع ذلك فإنها تعودت على المعاناة والعيش في ظلام مستمر، وأُصيبت بحالة اكتئاب شديدة، إلى جانب عدم رغبتها في أن يشاهدها أحد على هذه الحال.

وبينت أن جهاز “الراديو” كان رفيقها الدائم منذ ذلك الحين، إذ تستمع عبر أثيره للقرآن الكريم والأحاديث النبوية والبرامج الدينية، مضيفة أن رجلاً طاعناً في السن ميسور الحال تقدم لخطبتها عندما كان عمرها (12) عاماً، بيد أنها لم توافق على الارتباط به لكبر سنه، مشيرة إلى أنها لم تكن تمتلك بعد ذلك الشجاعة الكافية لترتبط بزوج وهي على هذه الحال، إلى جانب عدم رغبتها أن تكون زوجة لأحدهم وهي غير قادرة على الوفاء بالتزاماتها الزوجية تجاهه، ومع ذلك فهي ترى أن الزواج قسمة ونصيب في كل الأحوال.

تحسُّن طفيف

كما أن “نعيمة” زوجة مصابة بما يعرف ب”التأتأة” في الكلام، مضيفة أن هذه الحالة لديها منذ أن كانت طفلة صغيرة، مشيرة إلى أنها تعاني كثيراً من هذه الحالة لدرجة أنها تهرب من مواجهة الآخرين، خاصةً في المناسبات الاجتماعية والأعياد وغيرها، موضحة أنها راجعت طبيبة متخصصة في علاج هذه الحالة قبل سنوات، وذلك أثناء سفرها في إجازة الصيف إلى إحدى الدول الخليجية برفقة أُسرتها، لافتة إلى أنها نصحتها بأن تقرأ بصوت عالٍ وتداوم على ذلك لفترات طويلة في سطح منزلها، أو داخل غرفتها عندما لا ترغب أن يسمعها أحد، وأن تركز على ترديد العبارات التي تشعر فيها بالحالة، مبينة أنها مارست هذه الطريقة لعدة أشهر، حيث طرأ على حالتها تحسن طفيف، ومع ذلك فإنها لا تزال تعاني من هذه الحالة التي تؤرقها بشكل كبير.

قمة المعاناة

في حين أن “مريم ناصر” سيدة أربعينية تعاني من وجود أورام عديدة بارزة على جلدها بشكل واضح، لدرجة أن من يشاهدها يصاب بالحزن على حالها، وأشارت إلى أن الطبيب المعالج أخبرها أن هذا المرض الذي تعاني منه يعرف ب”داء الأورام الليفية العصبية”، مضيفة أنه أخبرها أنه لا يوجد علاج جذري لحالتها هذه، كما أن التدخل الجراحي من الممكن أن يُفاقم الوضع، وبالتالي ظهور تشوهات كبيرة على الجلد قد تزيد من معاناتها الحالية.وقالت وهي تبكي حزناً وكمداً على حالتها:”لقد أُبتليت منذ الصغر بهذا المرض، وتطورت الحالة بمرور الأيام”، مشيرة إلى أنها باتت تخشى النظر إلى جسدها أو رؤية وجهها في المرآة، مبينة أنها باتت لا تبرح غرفتها إلاَّ عند رغبتها في قضاء الحاجة، معلقة على ذلك بقولها:”أليست هذه قمة المعاناة يا ابنتي”؟.

مشاعر سلبية

ومن بين الحالات المرضية التي يعاني منها ملايين البشر في العالم حالة لفتاة رفضت الزواج؛ لأنها تشفق على حال زوجها الذي قد يراها على هذه الحالة من “الصرع” الذي يعاودها بين الحين والآخر، هكذا قالت “نهى عبدالله”، مضيفة أن هذه الحالة تُعد من الأمراض العصبية المزمنة، مشيرة إلى أن عدم الوعي، إلى جانب عدم امتلاك العديد من أفراد المجتمع للثقافة المطلوبة في هذا الجانب؛ جعلت البعض ينظر لمن ابتلاه الله بهذا المرض على أنه يشكل هاجساً كبيراً لمن حوله وبالتالي عدم الرغبة في التعامل معه.وأضافت أنها تدرس حالياً بالمرحلة الثانوية وتعاني كثيراً من تكرار معاودة هذه الحالة لها، الأمر الذي أصابها بالحرج والخجل الشديدين، إلى جانب شعورها بالحزن والضيق، موضحة أنها خضعت للعلاج في أكثر من مستشفى داخل “المملكة” وخارجها، ومع ذلك فإن الأطباء لم يتمكنوا من علاج هذه الحالة بشكل جذري، فأصبحت بذلك تعتمد بعد -الله عز وجل- على الأدوية الموصوفة لها، مشيرة إلى أنها تحيط نفسها دوماً بالاحتياطات اللازمة في هذا الشأن، ومن ذلك عدم بقائها بمفردها مخافة أن تعاودها الحالة فتتشنَّج وتفقد وعيها، وربما نتج عن ذلك إصابتها بمكروه -لا قدر الله-، لافتةً إلى أن الأطباء نصحوها بذلك، مؤكدة على أنها تشعر بالإحباط والضيق والاكتئاب بين الفينة والأخرى، بيد أنها تحاول التغلب على ذلك بالعودة إلى الله -سبحانه وتعالى- فتفزع إلى الصلاة كلما عاودتها تلك المشاعر السلبية، إلى جانب شغل نفسها بممارسة بعض الهوايات البسيطة والقراءة.

 

 

عن الرياض

Continue Reading
Click to comment

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أهم الأخبار

سمو محافظ الأحساء يستقبل قيادات التعليم ويكرّم الفائزين بالجوائز المحلية والدولية

Published

on

المواطن اليوم /

استقبل صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن طلال بن بدر محافظ الأحساء ، بمقر المحافظة ، أمس ” الثلاثاء ” مدير عام الإدارة العامة للتعليم بالأحساء طواشي بن يوسف الكناني، وعددًا من القيادات التعليمية ومديري ومديرات المدارس، وذلك في إطار دعم مسيرة التعليم وتعزيز منجزاته

وأشاد سمو محافظ الأحساء بما يحظى به قطاع التعليم ومنسوبوه من رعاية واهتمام ودعم من القيادة الرشيدة –حفظها الله– مؤكدًا أن الاستثمار في الإنسان يُعد أحد أهم أولويات الدولة، وأن قطاع التعليم يمثل ركيزة أساسية في بناء الأجيال، انسجامًا مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 التي أولت التعليم اهتمامًا كبيرًا باعتباره محورًا رئيسًا في التنمية وبناء الإنسان، معربًا عن اعتزازه بما يحققه تعليم الأحساء من إنجازات نوعية على المستويين المحلي والدولي، مشيرًا إلى أن هذه المنجزات تعكس تكامل الجهود والعمل الجاد من قبل القيادات التعليمية والمعلمين والمعلمات، إضافة إلى ما وفرته الدولة من إمكانات أسهمت في تطوير البيئة التعليمية

وشاهد سموّه والحضور عرضًا مرئيًا بعنوان “إنجازات وتطلعات”، استعرض أبرز منجزات إدارة التعليم وخططها المستقبلية، حيث حصل تعليم الأحساء على المركز الأول بنسبة (100%) على مستوى إدارات التعليم، في انضباط الطلاب ورصد الغياب خلال شهر رمضان المبارك، وحقق طلاب المحافظة المركز الثالث في مجال العلوم، والمركز الرابع في مجال الرياضيات على مستوى المملكة ، وتم اكتشاف (2296) طالبًا وطالبة موهوبة اجتازوا مقياس موهبة، وحصل الطلاب على (15) ميدالية في مسابقة كاوست للرياضيات، كما تم ترشيح (6) طلاب في مسابقة إبداع 2026 لتمثيل المملكة في المحافل العالمية ، وحقق (135) طالبًا وطالبة ميداليات في مسابقة بيبراس المعلوماتية، وحصد (5) طلاب جوائز في معرض سيئول الدولي للاختراعات ، كما بدأ العمل لإنشاء صالتين رياضيتين بسعة طلابية بلغت (900) طالبة، وإنشاء (6) ملاعب عشبية بسعة طلابية بلغت (1524) طالبًا وطالبة. كما يجري تنفيذ (3) مشاريع إنشائية لمبانٍ مدرسية بسعة طلابية تبلغ (1800) طالب وطالبة، وتم توقيع عقود (7) مشاريع مدرسية جديدة، بسعة (4080) طالبًا وطالبة ، إضافة إلى ترميم (32) مبنى مدرسيًا ضمن أعمال الصيانة الطارئة، مع استمرار العمل على ترميم (18) مبنى مدرسيًا آخر

وقدم الكناني الشكر والتقدير للقيادة الرشيدة – حفظها الله – على ما توليه من دعم مستمر للتعليم، مؤكدًا أن اهتمام ومتابعة سمو محافظ الأحساء كان لهما أثر كبير في تحقيق إنجازات الإدارة خلال العام الدراسي الحالي 1447هـ

وفي ختام اللقاء كرّم سمو محافظ الأحساء المدارس والمعلمين والمعلمات الفائزين بجوائز محلية ودولية خلال العام الدراسي الحالي 1447هـ، تقديرًا لتميزهم وإسهاماتهم في رفع اسم المحافظة في المحافل التعليمية المختلفة .

Continue Reading

أهم الأخبار

الصين بعد الذكاء الاصطناعي: من “مصنع العالم” إلى “عقل العالم”

Published

on

المواطن اليوم

بقلم : وارف قميحة، رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث، رئيس الرابطة العربية الصينية للحوار والتواصل

لم يعد توصيف الصين كـ”مصنع العالم” كافيًا لفهم موقعها في الاقتصاد الدولي. فخلال العقدين الماضيين، تحوّل هذا الدور تدريجيًا من الاعتماد على العمالة منخفضة الكلفة إلى الاستثمار المكثف في التكنولوجيا، والبحث العلمي، والابتكار. واليوم، مع تسارع تطور الذكاء الاصطناعي، تدخل الصين مرحلة جديدة تسعى فيها إلى أن تكون ليس فقط مركزًا للإنتاج، بل مركزًا للمعرفة.

هذا التحول ليس طارئا، بل نتيجة سياسات طويلة الأمد. فقد وضعت بكين منذ سنوات أهدافا واضحة ضمن خططها التنموية، أبرزها مبادرة “صنع في الصين 2025” (Made in China 2025)، التي ركزت على نقل الاقتصاد من الصناعات التقليدية إلى الصناعات المتقدمة، مثل الروبوتات، وأشباه الموصلات، والتقنيات الرقمية. كما دعمت الحكومة هذا التوجه من خلال استثمارات كبيرة في البحث والتطوير، حيث تجاوز إنفاق الصين على البحث والتطوير، وفق أحدث البيانات (2025)، 3.9 تريليون يوان (نحو 570 مليار دولار)، ما يضعها ضمن أكبر الدول إنفاقًا عالميًا في هذا المجال.

في سياق الذكاء الاصطناعي تحديدًا، أطلقت الصين خطة وطنية عام 2017 تهدف إلى أن تصبح رائدة عالميًا في هذا القطاع بحلول 2030. ومنذ ذلك الحين، شهدت البلاد توسعًا كبيرًا في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، سواء في الصناعة، أو الخدمات، أو الإدارة الحكومية.

وهنا لا يتعلق الأمر بمجرد سباق تكنولوجي، بل بإعادة تعريف موقع الدولة في الاقتصاد العالمي—من منتج للتقنيات إلى صانع لمنطقها.

تلعب شركات التكنولوجيا الكبرى دورًا محوريًا في هذا التحول، مثل Baidu في تطوير نماذج اللغة والقيادة الذاتية، وAlibaba في الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي التجاري، وTencent في تطبيقات البيانات الضخمة والمنصات الرقمية. هذه الشركات لا تعمل بمعزل عن الدولة، بل ضمن بيئة تنسيق تجمع بين القطاعين العام والخاص، وهو نموذج يميز التجربة الصينية.

فالعلاقة هنا ليست فصلًا بين سوق ودولة، بل تكاملًا يهدف إلى تسريع التحول وضبط اتجاهه في آن واحد.

في الوقت نفسه، تستفيد الصين من حجم سوقها الداخلي، الذي يضم أكثر من مليار وأربعمئة مليون نسمة، ويوفر كميات هائلة من البيانات، تُعد عنصرًا أساسيًا في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي. كما أن انتشار البنية التحتية الرقمية، واعتماد التقنيات الحديثة في الحياة اليومية، من الدفع الإلكتروني إلى المدن الذكية، يسرّع من وتيرة هذا التحول.

وتشير بيانات (2025) إلى أن عدد مستخدمي تقنيات الذكاء الاصطناعي في الصين تجاوز 500 مليون مستخدم، ما يعكس انتقال هذه التكنولوجيا من المختبر إلى الاستخدام الواسع في المجتمع والاقتصاد.

وهذا ما يمنح الصين ميزة يصعب استنساخها: بيئة اختبار واسعة، وسريعة، ومتصلة مباشرة بالاستخدام الفعلي.

غير أن هذا المسار لا يخلو من تحديات. فالصين لا تزال تواجه قيودًا في بعض المجالات الحساسة، خاصة في صناعة أشباه الموصلات المتقدمة، حيث تعتمد جزئيًا على التكنولوجيا الخارجية. كما أن المنافسة مع الولايات المتحدة في مجال الذكاء الاصطناعي تزداد حدة، ما يضيف بعدًا جيوسياسيًا لهذا التحول التكنولوجي.

فالذكاء الاصطناعي لم يعد قطاعًا اقتصاديًا فقط، بل أصبح أداة سيادة، تعاد من خلالها صياغة موازين القوة.

إلى جانب ذلك، تطرح هذه التحولات تحديات داخلية تتعلق بالتنظيم، وحماية البيانات، وتأثير الأتمتة على سوق العمل. وقد بدأت الصين بالفعل في وضع أطر تنظيمية لهذه التقنيات، في محاولة لتحقيق توازن بين الابتكار والرقابة، وهو توازن دقيق سيحدد مسار هذا التحول في السنوات المقبلة.

في هذا السياق، يبرز طرح صيني أوسع يرتبط بمفاهيم مثل “التنمية عالية الجودة” و”الابتكار كقوة دافعة أولى”، وهي مفاهيم أساسية في خطاب الرئيس شي جين بينغ، الذي أكد مرارًا أن التكنولوجيا ستكون محور التنافس الدولي في المرحلة المقبلة.وهنا، لا تنافس الصين على التكنولوجيا بحد ذاتها، بل على من يملك تعريفها، ومن يضع معايير استخدامها عالميًا.

بناءً على ذلك، فإن انتقال الصين من “مصنع العالم” إلى ما يمكن وصفه بـ”عقل العالم” ليس مجرد تغيير في النشاط الاقتصادي، بل تحول في موقعها ضمن سلسلة القيمة العالمية. فبدل الاكتفاء بالإنتاج، تسعى الصين إلى التحكم في المعرفة، والتصميم، والتكنولوجيا-وهي العناصر التي تحدد القيمة الحقيقية في الاقتصاد الحديث.

ومع أن هذا التحول لا يزال قيد التشكّل، إلا أن مؤشراته واضحة. فالصين لم تعد فقط منصة للتصنيع، بل أصبحت لاعبًا رئيسيًا في صياغة مستقبل التكنولوجيا، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي.

أما عربيًا، فإن هذا التحول يضع المنطقة أمام مفترق واضح. فالدول العربية، التي ارتبطت بالصين لعقود كشريك تجاري ومصدر للاستثمار والبنية التحتية، تجد نفسها اليوم أمام شريك يتغير في جوهره. لم تعد العلاقة مع بكين محصورة في الموانئ والطرق والطاقة، بل باتت تمتد إلى التكنولوجيا، والبيانات، والاقتصاد الرقمي.

وهنا يكمن التحدي الحقيقي:هل ستبقى الدول العربية مستهلكًا للتكنولوجيا، أم ستتحول إلى شريك في إنتاجها؟

فالدخول في عصر الذكاء الاصطناعي لا يمر فقط عبر استيراد الحلول، بل عبر بناء القدرات المحلية، والاستثمار في التعليم، وتطوير بيئات تشريعية تسمح بالابتكار. والصين، بنموذجها الحالي، تقدم فرصة، لكنها في الوقت نفسه تفرض واقعًا جديدًا: من لا يواكب، يبقى خارج معادلة القيمة.

المسألة لم تعد قدرة الصين على اللحاق، بل قدرة الآخرين-ومنهم العالم العربي-على فهم هذا التحول والتعامل معه.

Continue Reading

أهم الأخبار

طبيب عربي من العصور الوسطى صحح تشريح العين وغير مسار الطب في أوروبا

Published

on

كشفت دراسة حديثة أن الطبيب والعالم العربي حنين بن إسحاق، الذي عاش في القرن التاسع، لعب دورا محوريا في تشكيل المعرفة الطبية الغربية، بفضل ترجماته لأعمال كبار الأطباء اليونانيين.

المواطن اليوم

ووفقا للورقة البحثية التي نشرتها مجلة Cogent Arts and Humanities، فقد قام الباحثون من جامعة الشارقة بتحليل وترجمة مخطوطة أصلية لحنين تحمل عنوان “في العين مائتان وسبع مسائل”، وهي رسالة مبتكرة في طب العيون صححت مفاهيم خاطئة سائدة في العصور الوسطى، وأثرت بشكل كبير في تطور الطب لاحقا.

وكتبت الرسالة على شكل أسئلة وأجوبة، وتكمل عشرة أعمال أخرى لحنين، وتعتبر مجتمعة علامة فارقة في تاريخ الطب الإسلامي والغربي. وقد وفرت هذه الأعمال تحليلا دقيقا لتشريح العين، بما في ذلك طبقاتها وأعصابها البصرية.

وأوضحت الباحثة دلال الزعبي، المعدة الرئيسية للدراسة، أن حنين بن إسحاق أثبت براعته العلمية في طب العيون، مقدما تفسيرات قائمة على الأدلة. وأكد أن الخلاف حول عدد طبقات العين كان لفظيا فقط، وليس حقيقيا، موضحا أن العين تتكون من سبع طبقات، واحدة فقط مسؤولة عن الرؤية والباقي يدعم وظيفتها. كما وصف بدقة عضلات العين ودور الدماغ في التحكم بها عبر العصب البصري.

ولم يقتصر تأثير حنين على الطب فقط، بل كان مترجما عبقريا. فقد أثرى اللغة العربية بمصطلحات طبية دقيقة ما تزال مستخدمة حتى اليوم، مثل “الشبكية” و”القرنية”. وبدلا من الترجمة الحرفية، ابتكر مصطلحات عربية تعبر عن المعنى بدقة، مثل شبكية العين لأن تركيبها يشبه شبكة الصياد، بالنظر إلى التشابك الكثيف للأوردة والشرايين المتداخلة فيها.
وكان حنين، وهو مسيحي من أهل الحيرة في العراق، يلقب بـ “شيخ المترجمين”. عمل في بيت الحكمة في بغداد، وساهم في ترجمة المخطوطات اليونانية والسريانية إلى العربية، ما حافظ على المعرفة اليونانية القديمة وسهل نقلها لاحقا إلى أوروبا.

ويعد حنين جسرا فكريا بين الطب اليوناني القديم والطب الأوروبي في العصور الوسطى. فقد اعتمدت الجامعات الأوروبية لاحقا على الترجمات اللاتينية التي نقلت عن ترجماته العربية. ويذكر على وجه الخصوص كتابه “المسائل في الطب” الذي ترجم إلى اللاتينية تحت عنوان Isagoge Johannitius وظل لقرون مرجعا تمهيديا لتعليم الطب في أوروبا.

ويصف الأستاذ مأمون صالح عبد الكريم، أستاذ الآثار والتاريخ في جامعة الشارقة، المشارك في الدراسة، حنين بأنه شخصية ذات أهمية دائمة، قائلا: “أثر حنين بن إسحاق بشكل كبير في تطور الطب الغربي. لعب دورا حاسما في ترجمة النصوص الطبية اليونانية إلى العربية، خاصة تلك الخاصة بغالينوس وأبقراط، حيث صقلها وشرحها بدقة علمية ملحوظة. لم يكن حنين مجرد ناقل للطب اليوناني، بل كان واحدا من أهم الجسور الفكرية التي ربطت المعرفة الكلاسيكية بالطب الأوروبي في العصور الوسطى”.
ويضيف الأستاذ مسعود إدريس، أستاذ الحضارة الإسلامية في جامعة الشارقة: “ترجمات حنين بن إسحاق وكتاباته الأصلية مارست تأثيرا ليس فقط داخل العالم الإسلامي ولكن أيضا في أوروبا في العصور الوسطى”. 

وأشار الأستاذ إدريس إلى أن مؤرخي الطب يولون اهتماما خاصا لكتاب حنين “المسائل في الطب” (للمتعلمين)، والذي ترجم إلى اللاتينية تحت عنوان Isagoge Johannitius. وقال: “خدم هذا النص لعدة قرون كدليل طبي تمهيدي في الجامعات الأوروبية. إن تداول أعمال حنين على نطاق واسع في العالم اللاتيني يوضح الدور المهم الذي لعبته المدرسة الطبية الإسلامية في تشكيل أسس التعليم الطبي في أوروبا”.

وخلص الأستاذ عبد الكريم إلى أن إرث حنين بن إسحاق يذكرنا بأن التقدم العلمي لم يولد من فراغ، بل نشأ من الحوار بين الحضارات. فتاريخ الطب “ليس مجرد قصة حضارة واحدة، بل هو حكاية معرفة تنتقل عبر الثقافات لتشكل العلوم العالمية.

وتتناول الدراسة إسهامات حنين في تطوير حركة الترجمة في العصر العباسي الأول، مسلطة الضوء على كيف كان رائدا لنموذج الترجمة الذي يفضي نقل المعنى الكامل للنص الأصلي بدلا من الالتزام بالممارسة السائدة للترجمة الحرفية كلمة بكلمة. وتعد هذه الدراسة هي الأولى التي تنقل مخطوطة “في العين مائتان وسبع مسائل” إلى اللغة الإنجليزية، لتفتح نافذة جديدة على عظمة هذا العالم الذي جمع بين الإتقان الطبي والعبقرية اللغوية.

عن / شبكة ار تي العربيه RT

Continue Reading

الاكثر تداولا

عدد الزوار: 5053919

Copyright © 2017 almowatenalyoum.com