تم النشر في الخميس, 31 أغسطس 2017 , 05:09 صباحًا .. في الأقسام : أهم الأخبار , الآراء والصور

رائحة مكة

د. عبد الله المغلوث

وصلت إلى المحاسب في مقهى ببرشلونة بعد مشقة وعناء إثر انتظار طويل في طابور يمتد ويتمدد كأفعى ضخمة. عندما اقتربت من الكاشير شعرت بنشوة كأنني ربحت جائزة كبرى. رحب بي المحاسب وطلب مني نوع القهوة التي أرغبها واسمي كي يكتبه على كوبي لينادي على زميله عند انتهائه من تحضيرها. وبينما يحاول المحاسب بكفاح كتابة وتهجئة اسمي التفت تجاهي رجل يفصلني عنه شخص واحد. أنيق، ويرتدي نظارات طبية. ملامحه تشي بأنه في عقده الخامس ويبدو من وجهه أنه عربي، لوح لي بابتسامة، وقال: أهلا يا عبدالله. بادلته التحية وانصرفت نحو مكان انتظار الطلبات. لحقني بعد أن اختار نوع القهوة التي يبتغيها. وسألني: هل أنت سعودي؟ عندما أجبته انهمر كمطر. تدفق بغزارة. أخبرني أنه يحتفظ في صدره بموقف لا ينساه مع رجل سعودي. يتذكر قائلا: “كنت أعيش ظروفا مادية صعبة قبل نحو 20 عاما. نصحني ابن عمي بالذهاب أمام فندق شهير بمحاذاة ساحة كاتالونيا يسكنه في الصيف سياح عرب وخليجيون أثرياء وطلب مني أن أستوقف بعضهم وأشرح لهم ظروفي وسيقدمون المساعدة لي”. وبالفعل أخذ بنصيحة ابن عمه وهرع إلى الفندق المنشود. مر أكثر من أسبوع دون أن يحصل على دعم حقيقي. الأغلبية لا يستمعون إليه. يديرون ظهورهم له فور أن يشرع في سؤالهم. كل ما جمعه خلال وقوفه لأكثر من أسبوعين لا يكفي قيمة وجبتين. وفي أحد الأيام سمح له رجل سعودي كبير في السن بالتحاور معه. أنصت إليه حتى النهاية. وبعد أن فرغ من حديثه، قال له: “يا ابني، لن أعطيك نقودا. لدي تحفظ على الشباب الذين يمدون أيديهم. سأعطيك أثمن من المال. سأشتري لك كاميرا فورية وتتعهد لي كتابيا بألا تبيعها وإن فعلت فأنت مدين لي بقيمتها. قم بتصوير السياح العرب بواسطتها أمام الفندق بمقابل وتذكرني بالخير. فلن تحتاج لي ولا لغيري مستقبلا”. بدأ كمال مهنته الجديدة أمام بوابات الفنادق الكبرى في برشلونة. بدأ يجني بعض المال. وزادت الغلة بعد أن فرغ من دورة تدريبية قصيرة في التصوير والتحميض ساعدته على فهم أصول هذه الحرفة. وبعد فترة افتتح له استوديو خاصا للتصوير وتحميض الأفلام بمساعدة أحد أقربائه وقرض بنكي. حقق على أثره مكاسب كبيرة. والأهم من الأرباح المادية العلاقات الطيبة التي ربطته برجال أعمال ومسؤولين حكوميين عرب يزورون برشلونة ويستفيدون منه كمترجم أحيانا بمبالغ جيدة. أقلع كمال عن التصوير ويعمل حاليا في مكتب تابع لإدارة الهجرة الإسبانية في مدريد، لكنه ما زال يتذكر الدكتور محمد الغامدي الذي أهداه كاميرا وحياة جديدة. ودعني قائلا: “أحبكم، يا رائحة مكة”.أشياء صغيرة نقوم بها تجاه الآخرين لكنها تغير حياتهم. قام الدكتور محمد بعمل عظيم قبل 20 عاما وما زال أثره يقظا لم يغف حتى اللحظة. أنا وأنت بإمكاننا أن نترك خلفنا عطرا لا يجف بدعم أو تشجيع أو حتى بابتسامة.شرف الله وطننا قيادة وشعبا بشرف خدمة الحرمين الشريفين وارتباطنا بهما. رزقنا الله وإياكم عملا يليق بنورهما.

المشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء مستعارة لاتمثل الرأي الرسمي لصحيفتنا ( المواطن اليوم ) بل تمثل وجهة نظر كاتبها

اترك تعليق على الخبر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

كلمة المواطن اليوم

أهمية رياض الأطفال

  أحمد المغلوث /    مع العودة للدراسة تطيب الكتابة عن المواضيع التي لها علاقة بالتعليم والطلاب والطالبات واليوم الصباح […]

  • سبتمبر 2017
    س د ن ث أرب خ ج
    « أغسطس    
     1
    2345678
    9101112131415
    16171819202122
    23242526272829
    30  
  • Flag Counter