«التوشيش» .. خلطة أمريكا وإيران وتركيا السرية !

انور عبد اللطيف /
بكت الحاجة «صابرين» فى عرض مدير البنك شاكية: الست نادية «وششت» حسابى ياسعادة البيه، وأنا غلبانة وزوجى مشلول وأم لخمس بنات.. التفت المدير يسأل عن معنى «التوشيش» فى العمل المصرفى فعاجلته الشاكية بالتفاصيل: أعطيته دفتر التوفير لأسحب من حسابى 90 ألف جنيه لتجهيز زواج ابنتى، وهم بدل إصابة عمل زوجى القعيد
قررت الموظفة نادية أن تحقق ثروة عاجلة وهى تجلس فى مكانها ببنك «الغلابة»الزراعى بطريقة مبتكرة على حساب الأرامل والفلاحين وأصحاب المعاشات فكانت«توشش» دفاتر التوفير أى تكتب فيها المبلغ للمودع وتسجل على «السيستم» مبلغا أقل منه بكثير والفرق تضعه فى جيبها، وكشفت التحقيقات أن هذه الموظفة الجهنمية مصاصة «تحويشات» الغلابة ـ عكس «المستريح» نصاب توظيف الأموال من الطماعين ـ فجمعت أكثر من 5 ملايين جنيه، وأدخلت مصطلح «توشيش» فى الفساد المصرفى، بحثت على جوجل عن معنى «توشيش» فى معاجم ابن عروس ومختار الصحاح والمعجم الوسيط فلم أجد، وسألنى بعضهم عندما طلبت معنى كلمة«وشش»: هل تقصد كلمة وشوش؟.. وقبل أن أجيب قال: معناها خفيف وغامض وهامس وغير محسوس، «وشوش» فلانا الشىء أى ناوله إياه بلا ضجيج، وهى«الوشوشة» التى أهمس بها إلى كل المتعاملين مع البنوك أن يطلب كشف حساب دورى ومعتمد حتى يتأكد بنفسه أن الموظف لم «يوشش» أو «يوشوش» دفتره على طريقة «نادية» فى بنك الائتمان إياه، ولا يذكر التوشيش والفساد إلا وتذكرالمحليات،ففى روض الفرج، «يتوشوش» القوم عن أحدث أساليب النصب ويتهامسون بحكاية الحاجة صفية سعد زغلول، التى أدهشنى بريدى هذا الأسبوع بحالتها فقد اشترت محلا تجاريا منذ 25 سنة فى العقار رقم 9شارع رفعت بروض الفرج وفوجئت حين ذهبت لاستخراج الترخيص بأن صفة محل تجارى الموجودة فى العقد مجرد«توشيش» لجر الزبون وهى مشطوبة فى الترخيص ومعدلة إلى جراج، ورغم أنهاحصلت على حكم من مجلس الدولة بفتح المحل التجارى، إلا أن أمنيتها ظلت منذ عام 1989ضحية «توشيش» العقد بكشط مريب فى الملف حَوّل المحل التجارى الى جراج!
وقد أصدرت المحكمة التأديبية العليا منذ أيام حكما بمعاقبة رئيسة صندوق قطاع الأعمال العام والخاص السابقة لأنها كانت «توشش» المذكرات المعروضة على القيادة الأعلى ـ وزير التضامن الاجتماعى السابق ـ بإخفاء بعض البيانات بغرض اتخاذ قرارات بعينها، وقد أرسل أحد القيادات العليا السابقين ملفا بالملايين التى كانت تهدر سنويا بسبب التلاعب فى الأسماء بالإهمال أو صدور الأحكام بمخالفات جسيمةيتعمد فيها محامو الهيئة عدم الحضور لعمل الاستئنافات حتى يصدر الحكم النهائى الواجب النفاذ بالملايين والنتيجة ضياع المليارات من أموال التأمينات الاجتماعية، وفى بند التعويضات وتواطؤ ورش إصلاح السيارات على أموال التأمينات مولد من النهب المنظم بلا حدود بسبب «توشيش» الفواتير بإصلاحات وهمية..
وسمعت عن «التوشيش» فى الصحافة من صديقى حازم عبد الر حمن مدير التحرير ورئيس الدسك المركزى الأسبق، حين كان يطالب زملاءه بـ«توشيش» الخبر ويعنى كتابة مقدمة جيدة تجذب القارئ بأهم ما ينفع الناس، وإذا كان «التوشيش» فى الصحافة دليلا على الحرفية، إلا أنه مطلوب خارجيا «توشيش» صورتنا أمام العالم بما يليق بمكانة مصر وما تحويه من كنوز إنسانية وحضارية، وأستغرب حينما أقارن شوارع مصر وأزقتها التى تعكسها سينما «هى فوضى» وبين أفلام زمان التى تصور روعة ونظافة القاهرة قبل 50 سنة، وأنبهر حينما أشاهد تركيا وإيران من خلال أفلامهما السينمائية، وأشاهد روعة المناظر الخلابة والمعاملات الإنسانية الراقية فى بومباى وكلكتا ودلهى لاأصدق أن هذا السحر تصدِّره دولة تضم نصفعدد الشحاتين والمشردين فى العالم، وحتى أمريكا التى يهددها بركان العنصرية واستبداد رأس المال والشركات «توشش» حضارتها على خلطة سرية أساسها السينما والتجارة بحقوق الإنسان وناطحات السحاب، وفى كتاب الراحل البديع مصطفى أمين«أمريكا الضاحكة» مقارنة بين انبهاره بارتفاع الهرم ــ ٤٥١قدما ــ ثم شعوره كمن فتح عكا عندما وقف فوق برج إيفل الأعلى ـ ٥١٢ قدما ـ ولكنه بعد أن صعد فوق عمارة «الإمباير استيت» ونظر من فوق ١٠٤ طوابق و١٢٥٠ قدما واستعمل نظارة معظمة حتى يرى المخلوقات الآدمية كالنمل والبراغيث، لم يشعر بالرهبة نفسها فى حديث مستر اسميث مدير هذه العمارة العملاقة الذى قال إن ما بنيناه لكى نعيش فيه لا يساوى شيئا إذا قيس بما تملكونه من معجزات مدفونة، فأزمتنا أن هذه البناية لن تعيش أبد الدهر مثل الهرم الذى بناه الملك خوفو لكى يموت فيه!
وكلمة «وشش» إن كانت إحدى صور الفساد المالى فى المحليات والتأمينات إلا أنها اختراع مصرى يجسده الضمير الشعبى بالمثل البسيط الجدير بالتأمل «فى الوش مراية وفى القفا سلاية» .. كما أنها غير موجودة أيضا فى قاموس كل الشعوب المتحضرة التى بنت علاقاتها ونهضتها على الوضوح الصراحة والصرامة أيضا، أماعندنا فهو إحدى صور الالتفاف المطلوب تجاوزها ومحاربتها فى هذه المرحلة إن كنا جادين فعلا فى البناء./ عن الاهرام

تعليقات القراء
لا توجد تعليقات معتمدة بعد. شاركنا رأيك.
أضف تعليقًا