تم النشر في الخميس, 24 أغسطس 2017 , 07:49 صباحًا .. في الأقسام : أهم الأخبار , الآراء والصور

«وابي سابي»

د. عبد الله المغلوث

أقمت أثناء دراستي في أمريكا بجوار شاب ياباني لطيف. دعاني أكثر من مرة إلى شقته. لفتني في شقته حجم وعدد الأواني العتيقة المتراصة في أرجائها كافة. غمرني الفضول لأستفسر منه عن سر هذه الأواني، لكني كبحت سيول أسئلتي من التدفق. نفد صبري عندما قدم لي طعاما في إناء عتيق. اندلع السؤال من لساني بلا استئذان: “ما سبب اقتنائك هذه الأواني القديمة. فهي تعيش معك في كل مكان؟ أجابني وهو يبتسم ويحمل إحداها بكلتا يديه: “عبدالله. للأواني القديمة مكانة كبيرة في نفسي. أغلب التي تراها وتلمسها الآن استخدمها أجدادي. يرى عديد من أبناء وطني أنه كلما تقادم الإناء صار أثمن والطعام في داخله أشهى”. أفحمتني وألجمتني إجابته السابقة لكنه لم يكتف بها. كأنني فتحت له نافذة كان ينتظر مني أن أشرعها منذ أزل. فسجنه للكلام عن هذه الأواني في صدره يبدو أنه كاد يخنقه.
ويكمل جاري أن هذه الأواني تمنحه السكينة والطمأنينة وتذكره دائما أن الأشياء القديمة كلما شاخت تألقت. وسحب من رف مكتبته الصغيرة كتابا بالإنجليزية يتحدث عن فلسلفة “وابي سابي” اليابانية، التي تعزز مفهوم الجمال في الأشياء البسيطة وحتى المهترئة وتعبر عنها هذه الأواني بجلاء. وتعتمد هذه الفلسفة على ثلاثة عناصر رئيسة وهي، أولا: لا شيء مكتمل أي منته، وثانيا: كل شيء يتغير ويتبدل ولا يستمر على حال، وثالثا: لا شيء كامل الصفات.
فهذه الفلسفة اليابانية العتيقة تحولت اليوم إلى فلسفة يعتنقها الكثير حول العالم شرقا وغربا لأنها ترى الجمال في البساطة والطبيعية والعفوية.
هذا التصالح سيجعلنا نتذوق الجمال في الأشياء الصغيرة ونستمتع باللحظة ولا نثقل كواهلنا بهموم تؤذينا وتلتهم أعمارنا دون أن نستمتع ونضيء. ونرى في التقدم في السن ثراء وبريقا. إن انغماسنا في المظاهر الزائفة يسلبنا متعة استنشاق الدهشة التي تنبعث من وجوه الأطفال وابتسامات أحبتنا والعطر الذي يسكن تجاعيد أمهاتنا وآبائنا وأجدادنا.
وستدفعنا السطحية التي تحاصرنا الآن إلى الإقبال على كل ما يوهمنا بالجمال حتى لو كان زائفا وتافها وصناعيا وغير حقيقي.
ينبع الجمال من الإحساس بالجمال. فإذا لم تستشعر الجمال الغفير حولك فلن تصبح جميلا مهما فعلت وأجريت وقمت.
تذكر يا صديقي أنه كلما كبرت أصبحت أكثر حكمة وخبرة ونضجا. أكثر قدرة على التعبير وإشاعة العبير.

المشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء مستعارة لاتمثل الرأي الرسمي لصحيفتنا ( المواطن اليوم ) بل تمثل وجهة نظر كاتبها

اترك تعليق على الخبر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

كلمة المواطن اليوم

أمننا الذي يتنامى

أحمد المغلوث / كنت أشاهد لقطات حزينة ومؤلمة لمجموعة من المسلمين الروهينغا الهاربين من الظلم والمعاناة والتصفية في وطنهم مينمار […]

  • أكتوبر 2017
    س د ن ث أرب خ ج
    « سبتمبر    
     123456
    78910111213
    14151617181920
    21222324252627
    28293031  
  • Flag Counter