تم النشر في الخميس, 17 أغسطس 2017 , 08:44 صباحًا .. في الأقسام : أهم الأخبار , الآراء والصور

رسالة إلى عمتي مريم

د. عبد الله المغلوث

عمتي مريم سيدة استثنائية. ابتلاها الله بفشل كلوي وسكر وضغط وأمراض لا حصر لها منذ أن كانت في عقدها الثالث، لكن لم أرها متجهمة أو عابسة قط. دائما مضيئة بابتسامتها وتفاؤلها. تأتي منزلنا برفقة أدويتها وضحكاتها وابتسامتها التي لا تنقطع. مجرد النظر إلى وجهها البهي المشع بالنقاء يمنحنا طمأنينة كبيرة. توزع علينا الأمل بسخاء كأن زهير بن أبي سلمى كتب هذا البيت خصيصا لها:
تراه إذا ما جئته متهللا *** كأنك تعطيه الذي أنت سائله.
كلما حزنتُ تذكرت ضحكتها المدوية رغم ألمها الفظيع فوبخت نفسي واستعدت عافيتي. أعتبرها وقودا يمدني بعد الله بالطاقة والعزيمة والتصميم. هي الوحيدة في هذا العالم الذي عندما تسمع بمصائبها تبكي وعندما تراها تبتهج.
في خضم معاناتها من الغسيل الكلوي المرهق والأوجاع الغفيرة صعقت بخبر فادح وهو إصابة ابنها وبكرها سعد بسرطان في المخ، وهو في عامه الأخير بالجامعة في أمريكا. كان الخبر وقعه مزلزل علينا جميعا. ترددنا كثيرا قبل عيادتها في منزلها. نخشى من أثر هذه الصدمة فيها فجسدها لم يعد يقوى على حزن جديد. لا يوجد مكان شاغر للألم في أعماقها ولا الجروح في جسدها. كيف إذن ستستقبل خبر اقتحام الخبيث رأس حبيبها وفلذة كبدها الذي ادخرت له أشهى الأحلام. ونحن متجهون إليها نتقدم خطوة ونتراجع خطوتين. بعد مد وجزر وصلنا إليها بمشقة منهكين وقلقين. بدلا من أن نواسيها قامت بمواساتنا. طمأنتنا بكلمات حانية لا تنسى. راوغت علينا وقالت لنا بصوت خفيض: “كلمت سعد وهو بخير. يقرؤكم السلام فردا فردا”. نحن نعلم وقتئذ أن سعد ليس بخير ولا يتكلم. فهو في غيبوبة لكنها لا تجيد نقل الأحزان. فهو تخصص لا تفقه فيه وتتدرب عليه مثلنا.
بتوفيق الله ثم اهتمامها ووالده والرعاية الطبية التي حظي بها استيقظ ابنها من غيبوبته، وعاد تدريجيا إلى حياته ودراسته، وزفته خريجا متفوقا رفع رأسنا جميعا. عاد إلى الوطن محاصرا بالطموحات والتطلعات. توظف وأطل علينا بابتسامة استعارها من أمه. لكن الفرحة لم تكتمل وعاد الألم والمرض العضال إليه فأقعده وأنهكه حتى توفي، رحمه الله، وأسكنه فسيح جناته.
زرتها لتعزيتها مع شقيقها والدي فلم أجد عمتي التي أعرفها. الحزن ينهشها وينهبها. تتمتم علينا مرددة: “ذهب سعد. كان يقول لي رأسي يوجعني ويشير إلى مكان الألم وكنت لا أعرف كيف أساعده فأنا لست طبيبة. إن شاء الله أنه ارتاح الآن. إن شاء الله توقف ألم ابني”. تركنا عمتي وهي تذرف الدموع والحزن من عينيها وكلنا أمل أن تعود حبيبتنا إلى طبيعتها حتى لو تأخرت العودة. أعلم أن المصاب جلل وهائل. لكننا في أمس الحاجة إلى أيقونة الفرح؛ لتعود إلى حياتنا لتشعل ابتسامة لا يجيدها سواها. ربط الله على قلبك يا حبيبتي، وأنزل عليك سكينة وصبرا وثباتا.

المشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء مستعارة لاتمثل الرأي الرسمي لصحيفتنا ( المواطن اليوم ) بل تمثل وجهة نظر كاتبها

اترك تعليق على الخبر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

كلمة المواطن اليوم

أمننا الذي يتنامى

أحمد المغلوث / كنت أشاهد لقطات حزينة ومؤلمة لمجموعة من المسلمين الروهينغا الهاربين من الظلم والمعاناة والتصفية في وطنهم مينمار […]

  • أكتوبر 2017
    س د ن ث أرب خ ج
    « سبتمبر    
     123456
    78910111213
    14151617181920
    21222324252627
    28293031  
  • Flag Counter